الصفحة 19 من 41

التي تدل على أن الصفة في الذات عارضة غير مستقرة وكذلك غير ظاهرة. وعلى هذا لا نذهب إلى ما ذكره سيبويه وغيره إلى أن (أفعل) و (فَعِل) قد يتعاوران كحَمِقَ وأحمَق، فالبناءان مختلفان في القصد والمعنى.

ـ فَعْلَان: من أبنية الصفة المشبهة (فَعْلَان) وتدل هذه الصيغة على الامتلاء والخلو وعلى حرارة الباطن نحو: عطشان وغرثان وريان. جاء في كتاب سيبويه:"أما ما كان من الجوع والعطش فإنه أكثر ما يُبنى في الأسماء على فعلان ويكون المصدر الفَعَل ويكون الفعل على فَعِلَ يفعَل وذلك نحو: ظَمِئَ يَظْمَأ ظَمَأ وهو ظمآن ... وغرث يغرث غَرَثًا وهو غرثان، وعَلِهَ يَعْلَهُ عَلَهًا وهو علهان وهو شدة الغرث والحرص على الأكل. وقالوا سكران لما كان من الامتلاء جعلوه بمنزلة شبعان ومثل ذلك ملآن ... وقالوا: غضبان غضبى، وقالوا: غضب يغضب غضبًا جعلوه كعطش يعطش عطشًا وهو عطشان، لأن الغضب يكون في جوفه كما يكون العطش ... وقالوا: ثكل يثكل ثكلًا وهو ثكلان وثكلىى جعلوه كالعطش لأنه حرارةٌ في الجوف، ومثله لهفان ولهفى، ولهف يلهف لهفًا، وقالوا: حزنان حزنى لأنه غم في جوفه كالثكل لأن الثكل من الحزن ...". فهذهِ الصيغة تدل على معانٍ، منها: دلالتها على الطروء والحدوث وعدم الثبوت، فالعطش في عطشان ليس ثابتًا، والشبع في شبعان ليس ثابتًا وإنما يزول. وكذلك دلالتها على الامتلاء بالوصف الذي تضمنته إلى الحد الأقصى، فالغضبان هو الممتلئ غضبًا، وعطشان هو الممتلئ عطشًا. ومن دلالتها أيضًا أن المتصف بهذه الصفة مصحوبٌ بحرارة الباطن غالبًا فالعطشان يتوهج باطنه وكذلك الثكلان والولهان. فالغضبان ليس هو الغاضب، فصفة الغضب في غضبان طارئة متجددة، وكذلك مشعرةٌ بامتلاء الموصوف بها من الغضب مع حرارة باطنة متقدة.

ـ فَعِيل: إن الوصف الذي يكون على هذه الصيغة دالٌ على ثبوت الوصف في صاحبه على جهة الخِلْقَة أو على جهة الاكتساب، فمن الأول نحو: طويل وقصير، ومن الثاني نحو: خطيب وفقيه، ويُبنى هذا الوصف من (فَعُلَ) المضموم العين، وهذا الفعل يدل على سجية في الموصوف أو على صفة مُتَحَول إليها، فمن أمثلة السجايا قولهم: قَبُحَ وجَمُلَ وقَصُرَ، فالقبح ـ مثلًا ـ يدل على أن صاحبه قبيح وأنه خَلْقي غير مكتسب، ومن أمثلة دلالة هذا الفعل على التحول إلى الصفات قولهم: خَطُب وفَقُه، أي: صار خطيبًا وفقيهًا. جاء في شرح الرضي على الشافية:"قال: وفَعُل لأفعال الطبائع ونحوها كحَسُنَ وقَبُحَ وكَبُر وصَغُر فمن ثمة كان لازمًا ... أقول: اعلم أن (فَعُل) في الأغلب للغرائز أي الأوصاف المخلوقة كالحسن والقبح والوسامة ... والكبر والصغر ... وقد يجري غير الغريزة مجراها إذا كان له لُبثٌ ومُكْث نحو: حَلُم وبرُع وكرُم وفحُش". وجاء عند ابن فارس في كتابه (الصاحبي) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت