الصفحة 14 من 41

حميدًا يدل على أن صفة الحمد له ثابتة. وتقول: (طرفُ كحيلٌ) و (طرفٌ مكحول) فكحيل أبلغ من مكحول، لأن معناه أن الكحل أصبح في صاحبه كأنه خِلْقَة. فمن عدل عن (فعيلٍ) إلى (مفعول) فقد عدل عن الدلالة على الثبوت إلى الدلالة على التجدد والحدوث.

ومن الفوارق بينهما أن صيغة (مفعول) يصح وقوع مضمونها في أزمنةٍ متعددة ـ كما ذكرنا آنفًاـ، فد تدل على الحال أو الاستقبال أو غير ذلك، كقولنا لمن حُكم عليه بالقصاص: أنت مقتول، أي: ستُقتل، أما صيغة (فعيل) بمعنى (مفعول) فلا يصح الوصف بها إلا إذا تلبس صاحبها بمضمونها، فلا نقول: (هو قتيلٌ) لمن لم يُقتل، ولا (هو جريحٌ) لمن لم يُجرح.

ثم إن (فعيلًا) تدل على الشدة في الوصف بخلاف الوصف بـ (مفعول) الذي يدل على الضعف والهوان ويدل على الشدة أيضًا، فالمجروح جُرْحًا صغيرًا أو بالغًا يصح أن يُسمى مجروحًا، ولا يُقال جريح إلا إذا كان جرحُه بالغًا. قال ابن الناظم:"إن (مفعولًا) يقبل الشدة والضعف، وبعد النقل إلى (فعيل) لم يصلح إلا حيث يكون معنى الحدث فيه أشد، ألا ترى أن من أُصيب في أنملته بمُديةٍ يُسمى مجروحًا ولا يُسمى جريحًا؟".

ـ فَعِيْلَة: قد تلحقُ التاء صيغة (فعيل) بمعنى (مفعول) فتُخرجُها إلى دلالات أخرى، فلحاق التاء بصيغة (فعيل) مُخرِجٌ لها من الوصفية إلى الاسمية، ومن الأمثلة على ذلك: (الذبيحة والنطيحة) ، فالذبيحة اسمٌ لما أُعد للذبح، فـ (ذبيح) ما ذُبح، ولكن الذبيحة ما أُعد للذبح. قال سيبويه:"وتقول: شاة ذبيح كما تقول: ناقةٌ كسير، وتقول: هذه ذبيحةُ فلانٍ وذبيحتك وذلك أنك لم ترد أن تخبر أنها قد ذُبحت. ألا ترى أنك تقول ذاك وهي حية؟ فإنما هي بمنزلة ضحية. وتقول (شاة رمي) إذا أردت أن تخبر أنها قد رُميت، وقالوا: (بئس الرمية الأرنب) إنما تريد بئس الشيء مما يُرمى فهذه بمنزلة الذبيحة ... وأما الذبيحة فبمنزلة القتوبة والحلوبة وإنما تريد هذه مما يقتبون وهذه مما يحلبون، فيجوز أن تقول: قتوبةٌ ولم تُقتَب، وركوبةٌ ولم تُركب، وكذلك فريسةُ الأسد بمنزلة الضحية وكذلك أكيلة السبع". فنخلص مما سبق إلى أن صيغة (فعيلة) تدل على الاسم لا الوصف، وأن صيغة (فعيل) تُطلق على ما اتصف به صاحبه، وأما (فعيلة) فتطلق على ما اتُخِذ لذلك الوصف، فالذبيح يُطلق على ما ذُبح والذبيحة لما أُعد لذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت