ومنها: ادعى شفعة بجواز فقال المشتري: الدار التي بيدك ليس لك إنما هي لفلان فبرهن الشفيع أنه شراها من فلان لا تقبل أصلًا إذ المدعي شيئآن الشفعة على الحاضر والبيع على الغائب ولا سببية بينهما إلا بالبقاء فإنه لو شراها ثم أزالها عن ملكه بوجه ما لا تثبت له الشفعة ولو برهن على البقاء لا تقبل أيضًا لما مر"مز"، الإنسان يصير خصمًا عن الغائب في إثبات شرط حقه كما يصير خصمًا عنه في إثبات سبب حقه؛ لأنه كما لا يمكنه إثبات حقه إلا بإثبات سببه لا يمكنه أيضًا إلا بإثبات شرطه كما لو ادعى القاذف أنه قن فلان وبرهن المقذوف أن فلانًا حرره يقبل وإن كان تحرير الغائب شرطًا لحدّه.
أقول: وقد مر أن تحريره سبب لحده وبينهما منافاة"جص"قال لامرأته: لو طلق فلان زوجته فأنت طالق فبرهنت امرأة الحالف عليه أن فلانًا طلق امرأته لا تقبل إذ في ذلك ابتداء القضاء على الغائب، وأفتى بعض المتأخرين بالطلاق والأول أصح فإن قيل أليس أنه لو قال لامرأته لو دخل فلان داره فأنت طالق فبرهن أنه دخل الدار حكم بطلاقها قلنا ليس ذلك قضاء على الغائب إذ ليس فيه إبطال حق الغائب بخلاف مسألة"جص"؛ لأن ذلك قضاء على الغائب وإبطال النكاح.
والحاصل: أنه لو برهن على شرط حقه بإثبات فعل على الغائب فلو لم يكن فيه إبطال حق الغائب تقبل، ولو فيه إبطال حق الغائب من طلاق أو عتق أو بيع أو نحوه أفتى بعض المتأخرين أنه تقبل ويحكم على الحاضر والغائب وبه أخذ"من"، والأصح أنه لا تقبل وما يفعله الناس من أنهم إذا أرادوا إثبات شيء على الغائب من طلاق أو وقف أو بيع أو نحوه يجعلون ما يريدون إثباته شرطًا لوكالة الحاضر ثم يدعون تنجز الوكالة لوجود الشرط من الغائب ويبرهنون على وجود الشرط من الغائب قول بعض المتأخرين والأصح أن هذه البينة لا تقبل كما ذكر في"جص"؛ إذ في قبولها إبطال حق الغائب كذا"ط"وفي"مي"شرى بيتًا فطلب الشفيع الشفعة فبرهن المشتري أنه شراه لفلان وأن فلانًا وكله بشرائه منذ سنة لا أقبل هذه البينة لأني لو قبلتها ألزمت البيع على الغائب.