ومنها ادعى شفعة في دار فقال ذو اليد الدار لي ما شريته فبرهن المدعي أن ذا اليد شراء من فلان بكذا وهو يملكه يحكم عليهما بالشراء، وأما الأصل الثالث فبيانه في مسائل منها: شهدا عليه بحق، فقال: هما قنان لفلان فبرهن المدعي أن فلانًا حررهما يثبت العق في حق الغائب والحاضر والمدعي شيئآن المال والعتق على الغائب وهو سبب ما يدعيه على الحاضر لا محالة؛ إذ ولاية الشهادة لا تنفك عن العتق بحال فصار كشيء واحد من حيث المعنى وهذه حيل إثبات العتق على الغائب، ومنها: قال للقاذف: أنا قن وعلي حد العبيد، وقال المقذوف: لا بل حررك مولاك وعليك حد الأحرار فبرهن، يحكم بالعتق في حق الحاضر والغائب، حتى لو حضر وأنكر العتق لا يلتفت إلى إنكاره ولو ادعى شيئين الحد على الحاضر والتحرير على الغائب لسببية بينهما لا محالة، ومنها: برهن أحد الوليين على القاتل أن الغائب عفا عن نصيبه وانقلب نصيبي ما لا يحكم في حق الغائب والحاضر، ومنها: ادعت عليه امرأة أنه كفل بمهرها عن زوجها لو طلقها ثلاثًا وأنه طلقها ثلاثًا فأقر المدعى عليه بالكفالة وأنكر العلم بوقوع الثلاث فبرهن أنه طلقها ثلاثًا يحكم لها بالمهر على الحاضر وبوقوع الثلاث على الغائب فالمدعي شيئآن بينهما سببية قال"صذ": فيه نظر؛ إذ المدعي على الغائب وهو الفرقة شرط المدعي على الحاضر ولا سببية وفي مثله لا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب عند عامة المشايخ فينبغي أن يقضي بالمهر على الحاضر لا بالفرقة على الغائب، وأما لو كان المدعي شيئين والمدعي على الغائب قد يكون سببًا وقد لا يكون فبيانه في مسألتين، إحداهما: برهنت على وكيل الزوج بنقلها أنه أبانها، يحكم بقصر يد الوكيل عنها لا بالإبانة على الغائب حتى لو حضر احتاجت إلى إعادة البينة؛ إذ المدعي على الغائب وهو الطلاق ليس بسبب لما يدعي على الحاضر وهو قصر يده لا محالى إذ الطلاق متى تحقق قد لا يوجب قصر يد الوكيل بأن لم يكن وكيلًا بنقلها قبل الإبانة وقد يوجب بأن وكل به قبل الإبانة فكان المدعي على الغائب سببًا من وجه لا من وجه فيحكم بقصر اليد لا بالإبانة عملًا بهما.
أقول: هنا وجه آخر وهو أن الوكيل بنقل العين ليس بخصم؛ لأنه أمين محض كمودع فالقياس أن لا تسمع عليه البينة أصلًا، غلا أنه جعل خصمًا في قصر يده استحسانًا فقلبت البينة في حقه فقط لأنها ادعت شيئين قصر اليد والإبانة فقبلت بينتها على الأول لحضور من يدعي اليد لا على الثاني لغيبة الزوج وكذا الأمة في هذا الجنس وثانيهما برهن القن على وكيل مولاه بنقله أنه حرره يقبل في قصر يده لا في العتق كذا"فو"وفي"مخ"وكله بنقل امرأته أو قنه أو بإجارته فبرهن على الطلاق والعتق أو وكله بقبض داره فبرهن ذو اليد على الشراء من موكله ففي هذه الصور يوقف إلى حضور موكله ولا يدفع إلى وكيله ولو وكله يقبض دينه فبرهن على الإيفاء إلى موكله تقبل عند"ح"رحمه الله بخلاف العين وتوقف عندهما في الكل العين والدين سواء فإن قيل: المدعي على الغائب وهو الإيفاء ليس بسبب لما يدعيه على الحاضر وهو قصر يده لا محالى إذ الإيفاء متى تحقق قد لا يوجب قصر يد الوكيل بأن لم يكن وكيلًا بقبض دينه قبل الإيفاء وقد يوجب بأن وكله قبل الإيفاء فكان المدعي على الغائب سببًا من وجه لا من وجه فينبغي عند"ح"رحمه الله أيضًا أن يحكم بقصر يده لا بالإيفاء عملًا بهما على ما مر في الوكالة بنقل المرأة.
أقول: أن الوكيل بقبض الدين وكيل المبادلة إذ الدين يقضى بمثله فعاد إليه الحقوق أصالة فكأنه وكله بخصومة كوكيل بأخذ الشفعة فحضوره كحضور موكله فالحكم على الحاضر لا على الغائب حكمًا فلا يشكل على قول"ح"رحمه الله والحق أن قولهما أقوى وهو رواية عنه كذا"هد"وغيره"، أما لو كان المدعي شيئين ونفس المدعي على الغائب لا يكون سببًا إلا باعتبار البقاء فبيانه في مسائل."
منها: شرى أمة فادعى أن البائع زوجها من فلان الغائب قبل الشراء فبرهن ليردها لا تقبل أصلًا إذ المدعي شيئآن النكاح على الغائب والرد على الحاضر ولا سببية بينهما إلا بالبقاء لجواز الطلاق، ولو برهن على البقاء لا تقبل أيضًا إذ البقاء تبع للابتداء ويأتي بأتم من هذا"فد"تقبل في حق الرد لا النكاح.
ومنها: المشتري شراء فاسدًا برهن أنه باع من فلان الغائب يريد به إبطال حق البائع في الاسترداد لا تقبل بينته أصلًا إذ نفس البيع ليس بسبب لبطلان حق الاسترداد لجواز فسخ البيع فيعود حق البائع في الاسترداد.