كفل بنفسه على أنه لو لم يواف به غدا فدينه على الكفيل فغاب الطالب في الغد فلم يجده الكفيل حتى مضى الغد لزمه المال ولو رفع الكفيل الأمر إلى القاضي فنصب وكيلًا عن الطالب وسلم إليه المكفول عنه يبرأ وهو خلاف ظاهر الرواية إنما هو في بعض الروايات عن"س"قال"ث": لو فعل به قاض فلو علم أن الخصم يغيب لذلك فهو حسن"قضه"قال له مديونه لو لم أقض مالك اليوم فكذا فتوارى الطالب فنصب عنه القاضي وكيلًا بطلب المديون ليقبض منه المال لئلا يحنث فقبض وحكم به الآخر، قال"س": لم يجز كذا"قضه"وهذا قولهم ولو خص قول"س"رحمه الله"زط"القاضي ينصب عن الغائب وكيلًا ويقبض من المديون فيبرأ وبه يفتى كذا"ط"، وفيه: الأصل أن الحكم للغائب وعليه لم يجز إلا بخصم عنه حاضر أما قصدي وهو بتوكيل الغائب إياه، وأما حكمي وهو بأن يكون المدعي على الغائب سببًا لما يدعي على الحاضر لا محالة أو شرطا له على ما ذكره بعض المشايخ منهم"نير""مشن"، وعند عامتهم تشترط السببية فقط"صه"يجوز بأحد معان ثلاثة أحدها توكيل الحاضر حقيقة أو حكمًا والثاني كون المدعي على الحاضر والغائب شيئًا واحدًا وما يدعي على الغائب سبب لما يدعي على الحاضر لا محالة، والثالث كون المدعي شيئين بينهما سببية لا محالة كما مر ففي هذه الصور يحكم على الغائب سوى"خه"بين الشيء والشيئين فشرط السببية لانتصاب الحاضر خصمًا عن الغائب في الفصلين، وذكر عامة المشايخ أن السببية لا محال، أما لو كان المدعي شيئين وما يدعيه على الغائب قد يكون سببًا وقد لا يكون لكونه مما ينفك عنه بحال فينظر فيه لو كان نفس ما يدعيه على الغائب سببًا لما يدعيه على الحاضر يحكم في حق الحاضر لا الغائب حتى لو حضر وأنكر يحتاج إلى إعادة البينة ولا ينتصب الحاضر خصمًا عن الغائب في هذه الصورة؛ لأنه جعل خصمًا عنه في موضع لا ينفك المدعي على الغائب عن المدعي على الحاضر ضرورة ولا ضرورة فيما ينفك فيعمل بالحقيقة ولو كان المدعي عليهما شيئين والمدعي على الغائب سبب لما يدعيه على الحاضر باعتبار البقاء إلى وقت الدعوى لا يحكم في حق الحاضر ولا في حق الغائب، أما الأول وهو كون الحاضر وكيلًا عن الغائب فظاهر، وأما الأصل الثاني فبيانه في مسائل منها ادعى دارًا أنه شراه من فلان الغائب وهو يملكه وقال ذو اليد هو لي فبرهن المدعي، يحكم على الحاضر والغائب؛ إذ المدعي شيء واحد وهو الدار والمدعي على الغائب وهو الشراء منه سبب لثبوت ما يدعيه على الحاضر إذ الشراء من المالك سبب لا محالة. قال عماد الدين في فصوله: وهنا أعجوبة ذكر في"ص": لو صدقه ذو اليد في ذلك فالقاضي لا يأمر ذا اليد بالتسليم إلى المدعي لئلا يحكم على الغائب بالشراء بإقراره وهي عجيبة.
أقول: لا عجب فيه؛ لأنه بإقراره يصير مودعًا والمودع ليس بخصم وهو مشهور لا عجب فيه ولكن لو عجز المدعي عن البينة في صورة الإنكار ينبغي أن لا يحلف ذو اليد إذ لا فائدة في نكوله كما في الحدود، فإن قيل: لو ادعى على المودع أنه شراه من مودعه ينبغي أن تسمع إذ المدعي عليهما واحد وبينهما سببية لا محالة كما لو قال ذو اليد هو لي.
أقول: هنا دقيقة أخرى لا بد من ضمها وهي أن المدعي عليه ينبغي أن يكون خصمًا للحاضر حتى لو لم يذكر الغائب تكون الخصومة بينهما مسموعة فذو اليد لو ادعى أنه له فهو خصم بخلاف المودع حتى لو برهن الخارج أنه له لا تقبل؛ إذ المودع أمين ليس بخصم بخلاف ما لو ادعى ذو اليد أنه له فهو خصم ولكن الكلام في ذكر الغائب والخصومة عنه فافترقا ومنها ادعى أنه كفل عن فلان بما يذوب له عليه فأقر بكفالته وأنكر الحق فبرهن أنه ذاب له عليه كذا يحكم عليهما وسيأتي تمامه إن شاء الله تعالى.