مخصوصٍ بصورةٍ أو نوعٍ مُعَيّن.
وتكراره كان تأكيدًا ومبالغةً في تحريمهِ، وحرصًا على إشاعتهِ ونشرهِ لمن لم يسمعه من قبل، أولم يبلغه.
وهو من جملة الفرائض التي لا يسع مسلم جهلها، ولا تجد أحدًا من أهل العلم إلا قالَ لكَ: الرِّبا حرامٌّ، ولا باحثًا مسلمًا يخشى الله إلا وهو يحكي التحريم عمن قبله.
? سؤال وجواب:
فإن قالَ لَنَا قائِلٌ: أفرأيتَ مَنْ عَمِلَ ما نهى اللهُ عنه مِنَ الرِّبا في تجارته، ولم يأكُلْه، أيَستحِقُّ هذا الوعيدَ مِنَ اللهِ؟
? قلنا: نعم، وليس المقصودُ مِنَ الرِّبا في هذه الآيةِ: النهيَ عن أَكْلهِ خاصةً؛ دونَ النهي عن العمل به، وإنما خَصَّ اللهُ وصْفَ العاملينَ به في هذهِ الآيةِ بالأكلِ؛ لأنّ الذين نزلت فيهم هذه الآياتُ -يومَ نزلتْ- كانت طُعْمَتُهم وَمَأْكَلُهم مِنَ الرِّبا، فذكرهم بصفتهم، مُعَظِّمًا بذلك عليهم أمْرَ الرِّبا، ومُقَبِّحًا إليهم الحالَ التي هم عليها في مطاعمهم.
وفي قولهِ -جل ثناؤهُ-: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الآية، وما يُنْبِئُ عن صحةِ ما قُلنا في ذلك، وأنّ التحريمَ من اللهِ في ذلك كان لكلِّ معاني الرِّبا، وأنَّ سواءً العملُ به، وأكلُه، وأخذُه، وإعطاؤُه، كالذي تظاهَرتْ به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - من قوله: «لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرِّبا، ومُؤْكِلَه، وكاتبه، وشاهدْيه ... » ا. هـ من كلام الطبري في «تفسيره» .
? قُلْتُ: ومن المُؤسفِ والمُحزنِ ما نراه اليومَ من وجودِ أُناسٍ يسلكون سُنَّةَ الجاهلية في الإسلامِ، وذلك بإعطاءِ القُروض الرّبوية مع اشتراط الزيادة، أو التلميح بها، وليس لهم عملٌ -من وظيفةٍ، أو حرفةٍ يأكلون منها وينفقون-؛ إلاّ الرِّبا الزائد على القروضِ المؤجلةِ.
? آكلُ الرِّبا ومُوكِلُهُ وكاتبُهُ وشاهِداهُ -كلهم- سواء:
عن جابرِ بن عبدِ الله - رضي الله عنهما - قال: لَعَنَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - آكلَ الرِّبا، ومُوكِلَهُ، وكاتِبَهُ، وشاهِدَيْهِ، وقال: «هُمْ سواءٌ» . [رواه مسلم (1598) ، وغيره] .
? قلت: فهذا نص صحيح صريح في تحريم التعامل بالرِّبا، وقد دَلّتِ الآيات والأحاديث والآثار على أنّ أَكْلَ الرِّبا والعملَ به من الكبائرِ، ولا خلافَ في ذلك.
والكاتبُ والشاهدُ ذكرهما النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على سبيل الإلحاق؛ لإعانتهما للآكل ِعلى ذلك، فمن أعانَ صاحبَ الرِّبا بكتابتهِ وشهادتهِ؛ فُيُنزَّلُ منزلتهُ.
«لهذا حرم الإسلام كل ما يوصل إلى الرِّبا ويوقع فيه؛ تضييقًا لمسالكِ الرِّبا، وإغلاقًا للطرق الموصلة إليه.
ويدخل في اللعنة: أولئك الذين يؤجرون عمارتهم للمرابين و البنوك الرِّبوية، والذين يعينون المرابين بما يُودعونه بين أيديهم من مال، وإن لم يأخذوا الفائدة؛ وهي الرِّبا». «الربا» للأشقر.
? وفيه تحريم الإعانة على الباطل بكل أنواعها:
وعند الطبراني من حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ الرِّبا، وآكِلَهُ، ومُوكِلَهُ، وكَاَتِبَهُ، وشَاهِدَهُ، وهم يَعْلَمُون ... » .