الصفحة 30 من 217

حتى أنه زعم أن تسخير الأجرام السماوية لخدمة الإنسان لا يعني أنه أفضل منها، و إنما هي استجابت لأمر من هو أعظم منها، و هو الله تعالى الذي أمرها بأن تكون في خدمة الإنسان. و هذا تعليل لا يصح، و مخالف للشرع، لأن الله ذكر صراحة أنه فضل الإنسان، و أكرمه منذ بدايته. فخلق الله تعالى أول إنسان خلقا خاصا، و نفخ فيه من روحه، و أسجد له ملائكته، و سخر له ما في السموات و الأرض، و فضله على كثير من مخلوقاته. و الشاهد على أفضلية الإنسان أيضا هو أن من مقاييس التفضيل أن المخدوم أفضل من الخادم. و لأن العاقل المريد المختار أفضل من الكائن الفاقد لذلك.

و أما إشارته إلى أن الله تعالى هو الذي أمر الأجرام السماوية بما تقوم به. فهذا الكلام لا يتفق مع فلسفة أرسطو بتاتا، و لا يحق لابن رشد أن يٌقحمه هنا، و لا يحق له أن يُدخل في فلسفة الرجل ما ليس منها. فكلام ابن رشد الأخير أخذه من دين الإسلام، و أضفاه على إلهيات أرسطو الخرافية. و هذا عمل تحريفي مقصود لغاية في نفسه، و غير مقبول تماما شرعا و لا عقلا و لا علما. فلا يُوجد في فلسفة أرسطو ما يُشير من بعيد و لا من قريب إلى أن الإله هو الذي أمر، و لا هو الذي سخر الأجرام السماوية لخدمة العالم الأرضي [1] . فهذا الرجل داس على أخلاقيات البحث العلمي انتصارا لأرسطيته بالتحريف و التغليط [2] .

و استدلاله بجزء من قوله تعالى: (أتينا طائعين) ، لا يصح، لأنه في غير محله، و بداية الآية و الآيات الأخرى ذات الموضوع الواحد تخالف قول أرسطو و أصحابه بأزلية الكون!!!. فلا يحق له أن يستدل بجزء من آية يُخرجه من سياقه من جهة، و بدايته تُقرر خلاف ما يقول به هو و شيخه أرسطو و أصحابه من جهة أخرى. فهذه عملية انتقائية تحريفية انتهازية لا أخلاقية، و لا حيادية. و الآية كاملة تقول: {قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ 9} وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ {10} ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ {11} فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) - سورة فصلت: 9 - 12 - . فالآية ضده، و تهدم إلهيات أرسطو كلها، فلماذا مارس هذا القص اللاعلمي و اللا أخلاقي؟؟!!.

و يُستنتج مما تقدم ذكره أن القول بأن الأجرام السماوية كائنات حية مريدة مدركة مختارة، و أنها حيوان حي عالم، هو زعم باطل شرعا و علما. و إنما هي كائنات مخلوقة مُسخرة لخدمة الإنسان، و أنها ليست عاقلة، و لا مريدة، و

(1) عن ذلك أنظر موضوع الأفعال و الصفات في الفصل الثاني

(2) سنتوسع لاحقا في موضوع منهج الاستدلال الذي اتبعه ابن رشد في كتابه تهافت التهافت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت