و قوله: (( فإن الحي لا يُديره إلا حي مثله أكمل منه ) )، فهو قول صحيح، لكنه لا يصح و لا يصدق على الأجرام السماوية و إنما هو يصدق على الكون كله لأنه مخلوق مربوب لله تعالى، بحكم أن الكون كله يُسبح لله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} النور 41 - ،و {وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} الرعد 15 - . فالحي الأعظم و الأكمل الذي لا يموت هو الله تعالى، فهو الذي يُدير و يتحكم و يُسير كل المخلوقات: المخلوق الحي العاقل، و المخلوق الحي البهيم، و المخلوق الحي الجامد.
و أخيرا - خامسا - إنه ختم الموضوع بكلام فيه حق و باطل و معظمه غير صحيح، فقال: (( فإذا تأمل الإنسان هذه الأجسام العظيمة الحية الناطقة المختارة المحيطة بنا، و نظر إلى أصل ثالث وهو مع(= علاوة على) عنايتها بما هاهنا، هي غير محتاجة إليها في وجودها، علم أنها مأمورة بهذه الحركات، ومسخرة لما دونها من الحيوانات والنبات والجمادات، وان الآمر لها غيرها. وهو غير جسم ضرورة لأنه لو كان جسما لكان واحدا منها. وكل واحد منها مسخر لدونه هاهنا من الموجودات، وخادم لما ليس يحتاج إلى خدمته في وجوده. وأنه لولا مكان هذا الآمر لما اعتنت بما هاهنا على الدوام والاتصال، لأنها مريدة، ولا منفعة لها خاصة في هذا الفعل. فإذن إنما يتحرك من قِبل الأمر والتكليف الجرم المتوجه إليها لحفظ ما هاهنا، و إقامة وجوده. والآمر هو الله سبحانه. وهذا كله معنى قوله تعالى: {أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فصلت 11 - )) [1] .
و أقول: إنه بنى كلامه الأخير على النتيجة الخاطئة التي توصل إليها، و بما أنها غير صحيحة فما بناه عليها لا يصح. كما أن تنويهه بأفضلية الأجرام السماوية بخصائصها و أعمالها، غير صحيح. لأنه قام الدليل الشرعي و العقلي و العلمي على أن الكون كله مُكون من مادة واحدة، و انه سائر كله إلى الزوال، و أن الأجرام السماوية هي نفسها تخضع للكون و الفساد، و لنفس القانون العام الذي يحكم الكائنات الأرضية. و بما أنه تبين سابقا أن الله تعالى فضل الإنسان على الأجرام السماوية بالعقل و الإرادة، و حرية الاختيار، و تسخير الكون له، فإن كل ذلك يُبطل زعم ابن رشد. الذي استخدم كل ما يملك ليصل إلى القول بأن الأجرام السماوية كائنات حية مريدة مختارة مُدركة، فعل هذا كله انتصارا لأرسطيته الزائفة التي تؤله الأجرام السماوية و عقولها، حتى و إن خالف الشرع و العقل و العلم.
(1) تهافت التهافت، ص: 255.