الصفحة 28 من 217

القطعي على بطلان زعمه مقدمة و نتيجة. فأين حكاية البرهان الذي أكثر ابن رشد من الإشارة إليه.

و أما قوله: إن الأجرام السماوية أفضل و أعظم من الكائنات الأخرى، فبالأحرى أن تكون حية مدركة مختارة، ثم استدل بالآية القرآنية. فهو قول لا يصح، عقلا و لا شرعا و لا علما. لأن الأجرام السماوية هي جزء من الكون، و لا تختلف في مكوناتها و قوانينها عن الأرض من جهة، و كما أنها هي تُؤثر في الأرض، فالأرض هي أيضا تُؤثر فيها من جهة أخرى. و بما أنه قام الدليل على أن الكون كله مخلوق و مُسخر للإنسان، فالأمر و الفضل كله يعود لخالقه سبحانه و تعالى أولا و أخيرا.

و أما الآية التي ذكرها، فهي لا تتعلق بالموضوع الذي يتكلم فيه، فهي لم تقل: إن الأجرام السماوية أفضل، و أكرم من الإنسان. و إنما هي تتعلق بقدرة الله تعالى، فنبه الله تعالى الذين استعظموا خلق الإنسان، أن خلق السماوات و الأرض أعظم و أكبر. و أما موضوع الأفضلية، فالله تعالى قد حسمه قولا و فعلا: قال سبحانه: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} لقمان 20 - ،و {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} الإسراء 70 - .

و أما تفضيله من الناحية الفعلية، فالواقع يشهد على أن الله تعالى سخّر للإنسان ما في السموات و ما في الأرض. فالإنسان أفضل من الأجرام السماوية التي عظمها ابن رشد و قدسها، و زعم أنها أزلية و من عناصر بسيطة، و أنها حية مريدة مدركة، و أنها لا نهاية لها. و هذا انحراف خطير، و ضلال كبير أوصل أرسطو و أتباعه إلى الشرك و القول بتعدد الآلهة [1] .

و أما قوله الأخير، فهو زعم باطل أيضا، لأنه ليست الأجسام السماوية هي التي تُدبر أحوال الكائنات الأرضية، لأمرين: الأول هو أن العالم بكامله مخلوق لله تعالى، و هو الذي سخره وفق إرادته، و جعله في خدمة بعضه بعضا عامة، و في خدمة الإنسان خاصة. فالفضل يعود إلى الله تعالى أولا و أخيرا. و الأمر الثاني هو أن الأجرام السماوية هي نفسها تستفيد من غيرها، و يطرأ عليها التكوّن و الفساد كما يحدث للكائنات الأرضية. فليس لها أي فضل على غيرها، فالكل مخلوق مُسخر للقيام بمهام مُكلف بها، و لا فضل لأحد على الآخر، و الفضل كله لله تعالى يُؤتيه من يشاء.

(1) عن ذلك أنظر: خالد كبير علال: جنايات أرسطو في حق العقل و العلم. و لنفس المؤلف: مخالفة الفلاسفة المسلمين لطبيعيات القرآن الكريم. و الكتابان منشوران إلكترونيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت