المريد المختار، و ليست هي، و إنما هي مُسخرة مقيدة بقانون لن تستطيع الإفلات منه، و لن تستطيع أن تقول: لا.
و أما قوله الأخير المتعلق بالمتدبر في حركات الكواكب و صفاتها، و أثارها على الكائنات، بأنه يعلم أنها موجودات مُدركة حية ذوات اختيار و إرادة. فهو قول لا يصح، عقلا و لا شرعا و لا علما. لأن المتدبر في ذلك من زاوية أخرى يخرج بنتيجة مخالفة للتي وصل إليها ابن رشد. فهو يرى أن الإنسان يتمتع بالعقل و الإرادة و الاختيار، و قادر على تسخير كثير من الكائنات الأرضية، و أنه ينشئ الحضارات، و أن الشمس و الليل و النهار، و النجوم و الأرض كلها في خدمته. و في مقابل ذلك يرى أن الكائنات ألأخرى هي المُسخرة للإنسان، و غير قادرة على أن تكون مثله، و لا هو يُقدم لها شيئا مقابل ما تقدمه له، و لا هي قادرة على أن تطلب منه المساعدة. فيتبين له قطعا أن الإنسان أفضل منها، و هي في خدمته و ليس هو في خدمتها. و هذه النتيجة هي التي نص عليها الشرع، و أثبتها العلم الحديث، عندما كشفت الأبحاث المتعلقة بتاريخ الكون أن الأرض مرت بمراحل عديدة كانت فيها تتكون و تتهيأ لكي يأتي الإنسان، فلما خلقه الله تعالى وجد الأرض مهيأة له تماما.
و رابعا إنه واصل طريقته الخاطئة في الاستدلال ليصل إلى نتيجة زعم أنها قطعية الصحة، مفادها أن الأجرام السماوية مريدة مدركة مختارة، فقال: (( ويزيده إقناعا في ذلك انه إذ يُرى أن كثيرا من الأجسام الصغيرة الحقيرة الخسيسة المظلمة الأجساد التي هاهنا، لم تعدم الحياة بالجملة على صغر أجرامها، و خساسة اقدراها، وقصر اعتمارها، و إظلام أجسادها، وان الجود الإلهي أفاض عليها الحياة، والإدراك التي بها دبرت ذاتها، وحفظت وجودها. عُلم على القطع أن الأجسام السماوية أحرى أن تكون حية مدركة من هذه الأجسام لِعِظم أجرامها، وشرف وجودها، وكثرة أنوارها. كما قال سبحانه: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} غافر 57 - . وبخاصة إذا اُعتبر تدبيرها للأجسام الحية التي هاهنا، عُلم على القطع أنها حية، فان الحي لا يُديره إلا حي أكمل حياة منه ) ) [1] .
و أقول: إنه لم يستدل بالحقائق، و إنما استدل برغبته و ظنونه، و تضخيماته و مبالغته في تعظيم الأجرام السماوية بما لا تستحقه، و بما ليس لها. ثم وصل إلى نتيجة زعم أنها صحيحة قطعا، مع انه لم يعتمد على مقدمة يقينية، و إنما اعتمد على مقدمة خاطئة لم تصل إلى درجة الظن. و بما أن هذا هو حال مقدمته فنتيجته باطلة قطعا، و مستحيل أن تكون صحيحة. و قد سبق أن أقمنا الدليل
(1) تهافت التهافت، ص: 255.