الصفحة 26 من 217

علما بأنه قام الدليل العلمي بأن الأجرام السماوية لا تختلف عن الكائنات الأرضية من جهة مادتها و خصائصها الطبيعية، فهي كلها مخلوقة مُسخرة محكومة بقوانين مُحكمة لا تحيد عنها أبدا، و ليست هي عاقلة، و لا مريدة، فهي كالأرض التي نعيش عليها، و الكائنات التي تحيى عليها أيضا [1] . و عليه فلا يُمكن أن تكون السموات و أجرامها كائنات حية مُدركة، و بذلك تسقط مقدمات ابن رشد و نتائجها.

و ثالثا إنه واصل ذكر الشواهد ليستدل بها على موقفه، فأشار إلى مظاهر تأثير الأجرام السماوية على الكائنات الأرضية، ليُبين مدى أهميتها و عظمتها و مكانتها، و أن اتصافها بذلك يستلزم أنها حية مريدة مختارة. فعبّر عن ذلك بقوله: (( و أعظم من هذه كلها في ضرورة وجود المخلوقات وحفظها الحركة العظمى اليومية الفاعلة لليل و النهار، وقد نبه الكتاب العزيز على العناية بالإنسان بتسخير جميع السموات له في غير ما آية مثل قوله سبحانه: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ} النحل 12 - ، و(وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إبراهيم 33 - . فإذا تأمل الإنسان هذه الأفعال والتدبيرات اللازمة المتقنة عن حركة الكواكب، و رأى الكواكب تتحرك هذه الحركات، وهي ذوات إشكال محدودة ومن جهات محدودة، ونحو أفعال محدودة وحركات متضادة علم، أن هذه الأفعال المحدودة إنما هي عن موجودات مدركة حية ذوات اختيار و إرادة ) ) [2] .

و أقول: سبق أن أقمنا الدليل القطعي على أن الحي العالم ليس هو الذي يتحرك من ذاته، و كثير الحركة و التأثير، و إنما هو الكائن الحي العاقل المريد المختار. و عليه فإن كل الكائنات الأرضية و السماوية التي لا تتصف بذلك، فهي ليست كائنات حية عالمة، و إنما هي كائنات مخلوقة منها المتحركة، و غير المتحركة كالنبات، و الحيوان، و الجماد. و عليه فكل ما ذكره ابن رشد من ذِكر لمظاهر تأثير الأجرام السماوية على الأرض لا يجعلها حية عالمة مريدة مختارة أبدا، و إنما هي كغيرها من المخلوقات تؤثر و تتأثر.

و أما الآية التي ذكرها، فهي عليه لا له، لأنها تشهد بأن الأجرام السماوية مُسيرة مُسخرة لخدمة غيرها، و ليست ذات إرادة و اختيار، و ليست هي الأفضل، و إنما الأفضل منها من هي في خدمته، و هو الإنسان العاقل المريد المختار!!!. فهو أفضل منها لأنها هي في خدمته، و ليس هو في خدمتها، و هو العاقل

(1) كلامنا هذا لا يحتاج إلى توثيق لأنه من حقائق العلم المعروفة لدى التلاميذ في المدارس.

(2) تهافت التهافت، ص: 254 - 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت