ينطبق على الأرض، فهي متحركة، و تقوم بأفعال كثيرة، و تؤثر و تتأثر، لكنها ليست حية حياة حيوانية و لا هي عالمة. و كذلك النباتات فهي مُتحركة من ذاتها، و تُؤثر و تتأثر، و أفعالها محدودة لكنها ليست حية حياة حيوانية، و لا هي عالمة. و كذلك النار فهي تتحرك، و لها أفعال و تأثيرات محدودة، لكنها ليست حية حياة حيوانية، و لا هي عالمة.
و ليس صحيحا أن كل فعل إنما يصدر عن حي عالم، فهذا حكم لا يصدق على كل فاعل، لأن في الطبيعة كائنات كثيرة لها أفعال مؤثرة، لكنها ليست حية عالمة، كالحرارة، و النار، و الماء، و الرياح، و الدواجن، و الماشية، و إلخ.
و بناء على ذلك فالكائنات التي تسمى حية عالمة ليست هي التي تتصف بالصفات التي ذكرها ابن رشد، و إنما يجب أن تتصف بصفات أخرى أخص، لا تتصف بها كل الكائنات المتحركة من ذاتها، و المؤثرة في غيرها، و المحدودة التأثير؛ و إنما يجب أن تكون عاقلة مريدة مُختارة. فهذا هو الحي العالم من المخلوقات، و ليس ما ذكره ابن رشد. و بما أن مقدمته غير صحيحة، فلا شك أن ما سيقوله، و ما يصل إليه من نتائج هي باطلة أيضا. لكننا -مع ذلك- فإننا سنواصل مناقشته و إظهار تهافت و بطلان مزاعمه.
و ثانيا إنه واصل كلامه بقوله: (( . فإذا حصل له هذا الأصل وهو أن كل ما يتحرك حركات محدودة فيلزم عنها أفعال محدودة منتظمة فهو حيوان عالم، و أضاف إلى ذلك ما هو مشاهد بالحس: وهو أن السموات تتحرك من ذاتها حركات محدودة يلزم عن ذلك في الموجودات التي دونها أفعال محدودة، ونظام وترتيب به قوام ما دونها من الموجودات، تولد أصل ثالث لا شك فيه، وهو أن السموات أجسام حية مدركة ) ) [1] .
و أقول: سبق أن أبطلنا مقدمته التي بنى عليها استنتاجه، و من ثم فقوله المتعلق بالأجرام السماوية لا يصح. لأنها -في حركاتها و تأثيراتها- لا تختلف عن حال الكائنات المتحركة التي يشبه حالها حال الأجرام السماوية، كالأرض، و الرياح، و المياه، و النار. فهذه الكائنات مع أنها متحركة من ذاتها، و لها أفعال و تأثيرات ظاهرة و محدودة، إلا أنها ليست عاقلة، و لا مريدة، و لا مختارة، و إنما هي مُسخرة لأداء أعمال محددة، و لن تستطيع الخروج عنها. و هذا خلاف الإنسان و الجن. و حتى الحيوان الذي له اختيار و إرادة، إلا أنه ليس عالما، لأنه ليس له عقل، فما بالك بالأجرام السماوية و الكائنات الأخرى المُسخرة تسخيرا، و التي ليس لديها اختيار أبدا.
(1) تهافت التهافت، ص: 253.