الصفحة 24 من 217

وفق قوانين مُحكمة لا تحيد عنها من جهة. و هي و الأجرام السماوية كلها محكومة بقانون الجاذبية العام الذي يمسكها [1] .

فواضح من الدليلين الشرعي و العلمي أن الأجرام السماوية لا تحتاج إلى عقول مفارقة لتحركها، و لا لتحملها. بل هي نفسها لا ذِكْر و لا أثر لها في الشرع و لا في العلم، فهي من أوهام القوم و خرافاتهم. لكن الغريب من أمر ابن رشد أنه كيف قرر ذلك، مع أنه مخالف للقرآن الكريم، و لا دليل عقلي صحيح يُثبته، و لا منهج علمي صحيح يعترف به؟؟!!.

و النموذج السادس مفاده أن ابن رشد بعدما عرض أفكار أرسطو و أصحابه المتعلقة بالعقول المفارقة، و علاقتها بالأجرام السماوية، و علاقة الكل بالإله؛ استخدم طريقة تصويرية تمثيلية لعرض أفكار هؤلاء، بطريقة قال أنها شيقة. و نحن هنا سنذكر كلامه مقسما في فقرات، و نعلق عليها، و نبين أخطاء الرجل و انحرافاته المنهجية في ممارسته للاستدلال العلمي.

أولا إنه قال: (( وقد يمكن الإنسان أن يقف على هذه المعاني من أقاويل عرض لها إن كانت مشهورة مع أنها معقولة وذلك أن ما شأنه ذلك الشأن من التعليم فهو لذيذ محبوب عند الجميع: وأحد المقدمات التي يظهر منها هذا المعنى هو أن الإنسان إذا تأمل ما هاهنا طهر له أن الأشياء التي تسمى حية عالمة هي الأشياء المتحركة من ذاتها بحركة محدودة نحو أغراض وأفعال محدودة تتولد عنها أفعال محدودة، ولذلك قال المتكلمون: إن كل فعل فإنما يصدر عن حي عالم ) ) [2] .

و أقول: كلامه هذا غير صحيح في معظمه، و فيه تغليط و تلبيس، و إهمال لحقائق كثيرة، و مقدماته ناقصة و لا توصل بالضرورة إلى النتائج التي توصل إليها ابن رشد. و الشواهد و المعطيات الآتية تبين ذلك:

من ذلك أنه إذا كانت كل الكائنات التي تسمى حية عالمة هي كائنات متحركة من (( ذاتها بحركة محدودة نحو أغراض وأفعال محدودة تتولد عنها أفعال محدودة، ولذلك قال المتكلمون: إن كل فعل فإنما يصدر عن حي عالم ) ). فإن العكس ليس صحيحا، و هنا يكمن الخطأ و الخلل، و التغليط و التلبيس. فالماء متحرك من ذاته و محدود الحركة، و له أغراض وأفعال و تأثيرات محدودة، لكنه ليس عالما و لا حيا حياة حيوانية. و كذلك الرياح فهي متحركة من ذاتها، و لا تختلف في عملها عن الماء، و حركات الأجرام، فهي كلها تؤدي أعمالا محددة، لكنها ليست حية حياة حيوانية و لا هي عالمة. و نفس الأمر

(1) أنظر مثلا: عبد الحميد سماحة: في أعماق الفضاء، ط 2، دار الشروق، القاهرة، 1980، ص: 27 و ما بعدها، و 36 و ما بعدها .. و آن هوايت: النجوم، ترجمة إسماعيل حقي، ط 7، دار المعارف، القاهرة، 1992، ص: 14 و ما بعدها، 38 و ما بعدها.

(2) تهافت التهافت، ص: 253.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت