الصفحة 23 من 217

السماوية تتحرك بطبيعتها التي خلقها الله عليها من دون الحاجة إلى تلك العقول المزعومة من جهة، و الله تعالى لا يحتاج إلى وسائط لتتولى عمليات الخلق، اللهم إلا إذا شاء هو، لأنه سبحانه فعال لما يريد , و يخلق ما يشاء و يختار، و إذا أراد أمرا أن يقول له كن فيكون.

و بناء على ذلك فإنه لا يصح القول بصحة أي احتمال من الاحتمالين السابقين إلا بدليل صحيح. لكن الملاحظ أن أرسطو و أصحابه قالوا بصحة احتمالهم من دون أن يذكروا دليلا صحيحا، و ليس في مقدورهم التأكد منه إلا بدليل الوحي الصحيح، أو الدليل العلمي الصحيح. لأن الوحي الصحيح لم يكن موجودا زمن أرسطو و أصحابه الأوائل، و في العصر الإسلامي كان موجودا- القرآن الكريم- لكن الفلاسفة المسلمين تركوه وراء ظهورهم، و أقبلوا على فلسفة اليونان المملوءة بالأباطيل و الخرافات , و بالظنون و الأهواء، فأخذوا بها و انتصروا لها [1] .

فواضح من ذلك أن هؤلاء أخطأوا في قولهم بذلك الاحتمال، و في طريقة الاستدلال به. فلو أنهم التزموا بالمنهج العلمي الصحيح في البحث و الاستدلال، لردهم إلى الصواب، و لتنبهوا إلى خطأ قولهم بالاحتمال الأول.

و أما من جهة الرد الشرعي و العلمي لقول هؤلاء بالعقول المفارقة و دورها في تحريك الأجرام السماوية؛ فقد صح الدليل الشرعي و العلمي على خطأ هؤلاء فيما قالوه بناء على الاحتمال الأول الذي قالوا به. و ثَبُتَ أن الصحيح هو أن الله تعالى اختار الاحتمال الثاني وسيلة في خلقه و علاقته بالأجرام السماوية.

فمن الناحية الشرعية، فالله تعالى ذكر في عدة آيات أنه سبحانه خلق النجوم و الكواكب، و سخرها لأداء وظيفتها التي خُلقت من أجلها، و أنها محكومة بقوانين لا تحيد عنها إلى أن ينتهي العالم. و انه سبحانه رفع السموات بغير عمد مرئية. قال سبحانه: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس 40 - ، و {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} الرعد 2 - .

و أما علميا، فقد بينت الأبحاث و الاكتشافات العلمية الحديثة أن الشمس و كواكبها السيارة مثلا، لا توجد معها عقول مفارقة تحملها، و لا تحركها؛ و إنما هي أجسام صلبة بالنسبة للكواكب، و الشمس جرم ملتهب عظيم، و كلها تسير

(1) سبق أن ذكرنا نماذج من ذلك من خلال مناقشتنا لابن رشد، و للتوسع أكثر أنظر كتابنا المنشور إلكترونيا: مخالفة الفلاسفة المسلمين لطبيعيات القرآن الكريم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت