!!!. و قوله هذا زعم باطل، و متى كانت الأوهام و الظنون، و الخرافات يُفتخر بها، و توصف بأنها مُنتهى ما وقفت عليه العقول البشرية؟؟!!. إن قولهما لا يستحق الافتخار، و هو زعم من المزاعم، و الزعم ليس دليلا، و لا يعجز عنه أحد. و هو لا يخرج عن أوهام و خرافات و تُرهات اليونان و الشعوب القديمة التي سبقتهم و التي جاءت من بعدهم. و لماذا تناسى ابن رشد ما وقفت عليه البشرية مما جاء به أنبياء الله من حقائق و عقائد، و شرائع ربانية غاية في الحكمة و الإحكام، لا يُمكن أن تساويها، و لا تتفوق عليها، و لا أن تعوضها مذاهب فلاسفة اليونان و لا غيرهم. و قد أنزل الله تعالى كتبه على البشر لتكون لهم نورا و هداية، و تعلمهم الكتاب و الحكمة، و تهديهم إلى الصراط المستقيم، و الطريق الصحيح لعمارة الأرض، و الفوز بالحياة السعيدة في الدنيا و الآخرة. قال سبحانه: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء} المائدة 44 - ، و {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} طه 123 - ،و {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} البقرة 213 - .
و النموذج الخامس مفاده أنه سبق أن ذكرنا قول ابن رشد و أصحابه بوجود عقول أزلية مفارقة للمادة، تتولى تحريك الأجرام السماوية [1] . و هذا الزعم هو من أوهام هؤلاء و خرافاتهم و ظنونهم، لأنه لا يُوجد أي دليل عقلي و لا علمي يُثبت وجود تلك العقول من جهة، و هو أيضا زعم باطل مخالف الشرع و العلم معا من جهة أخرى. و قبل ذكر الرد الشرعي و العلمي أُشير هنا إلى أنه ربما يقول بعض الناس: يبدو أن قول هؤلاء بوجود تلك العقول له ما يبرره، فربما قالوا بوجودها لتكون واسطة بين الإله و الكون، فتتولى هي تحريك الأجرام السماوية.
و أقول: إن ذلك التعليل قد يكون تعليلا نظريا ممكنا يحتمل الخطأ و الصواب معا، لكنه ليس احتمالا وحيدا لتفسير العلاقة بين الله تعالى و الأجرام السماوية. فيمكن طرح تفسير آخر محتمل مفاده أن الله تعالى يُمكنه أن يُسير الأجرام السماوية بطريقة أخرى، كأن يخلقها و يجعل فيها قوة ذاتية يُسخرها بها لأداء مهامها وفق قانون صارم لا تحيد عنه. و هذا ملاحظ في كائنات العالم الأرضي، فالإنسان مثلا يتحرك من ذاته و لا يحتاج إلى كائن آخر يُسيره و يتحكم فيه، و نفس الأمر ينطبق على الحيوانات. فلماذا لا تكون الأجرام
(1) سبق توثيق ذلك في عدة مواضع من الكتاب، لكن أنظر مثلا: تهافت التهافت، ص: 283.