الصفحة 21 من 217

و كلامه الذي ذكره عن العقول و الأجرام سبق بيان بطلانه، و هو قد مارس التحريف في تحديد معنى الخلق و الاختراع، فلم يُعرّف ذلك، تعريفا صحيحا من القرآن و اللغة العربية، و إنما عرّفه كما يريد هو. و هذا عمل مرفوض، و لا يصح فعله، و هو من أفعال المتعصبين للباطل، و المحرفين للحقائق.

و المثال الذي ذكره ليس مثالا صحيحا شرعا و لا علما، لأنه لا يتفق معهما، و إنما يتفق مع موقف أرسطو من العقول و علاقتها بالإله و الأجرام السماوية. و لهذا تضمن كلامه مخالفات شرعية، منها إن ذلك المثال لا يصدق على الله في علاقته مع الكون، فهو ليس آمرا له فقط، و إنما هو قبل كل شيء خالقه بعد عدم، و كل ما فيه فهو مخلوق له، و أن كل ما فيه مُسبح له، لقوله سبحانه: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} الإسراء 44 - . و أنه سائر إلى الزوال كله لا محالة، و أنه لا وجود لحكاية العقول الأزلية، و لا للأجرام الأزلية، فهذا كله من أهواء القوم و خرافاتهم. و هذا وحده ينقض إلهيات أرسطو و يُهدمها من أساسها.

و أما قوله بأن ما ذكره هو الذي يرى الفلاسفة أن الشرائع عبرت عنه بالخلق و الاختراع و التكليف. فهذا موقف لا يصح، و مخالف للشرع جملة و تفصيلا، و كل من ينظر في الوحي الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح يتبين له جليا أن ما قاله هؤلاء مخالف للشرع تماما: منطلقا و مآلا من جهة. و مُخالف أيضا للعقل و العلم معا من جهة أخرى، و هذا أمر بيناه بالتفصيل، و أشرنا إليه مرارا.

و إذا قيل: إن ابن رشد ذكر ما قاله هؤلاء، فهو مجرد ناقل لا معتقد لذلك. فأقول: إنه سبق أن بينا أن ابن رشد هو من هؤلاء الفلاسفة المشائين، و هو في معرض الدفاع عنهم، و قد ذكر صراحة أن أقوالهم هذه صحيحة قام البرهان على صحتها، و وافقهم عليها. فهو يتحمل مسؤولية ما ذكره، و الرد يشمله هو أيضا، لأنه هو المدافع عن مواقفهم، سواء اعتقد بما قالوه أو كان ناقلا لأقوالهم فقط.

و حتى إذا افترضنا أنه كان مجرد ناقل، فلا يصح أن ينقل كلامهم المخالف للشرع و يسكت عنه. فيجب عليه شرعا و عقلا و علما أن يرد على هؤلاء في زعمهم بأن قولهم لا يُخالف الشرع!!!!.

لكن الحقيقة هي أن ابن رشد كان يعتقد ما يعتقده هؤلاء بدليل ما سبق أن ذكرناه من مواقفه المؤيدة لهؤلاء، و بما ختم به نصه السابق، فزعم أن قول أرسطو و أفلاطون في العقول المفارقة هو مُنتهى ما وقفت عليه العقول الإنسانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت