و النموذج الرابع مفاده أن ابن رشد بعدما ذكر موقف أرسطو و أصحابه من العقول و عملها و ترتيب صدورها، انتقد ما ذكره ابن سينا عن هؤلاء، ثم عاد و شرح موقف أرسطو، و أثنى عليه و استخدم القرآن، ثم زعم أن ما قاله الفلاسفة لا يُخالف الشرع، و إنما الغزالي هو الذي شنع به عليهم. فقال ابن رشد: (( و أما ما حكاه ابن سينا من صدور هذه المبادئ، بعضها من بعض، فهو شيء لا يعرفه القوم. وإنما الذي عندهم أن لها من المبدأ الأول مقامات معلومة لا يتم لها وجود إلا بذلك المقام، منه كما قال سبحانه: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ} الصافات 164 - . و أن الارتباط الذي بينها هو الذي يوجب كونها معلولة بعضها عن بعض، وجميعها عن المبدأ الأول. و أنه ليس يفهم من الفاعل والمفعول والخالق والمخلوق في ذلك الوجود، إلا هذا المعنى فقط. و ما قلناه من ارتباط وجود كل موجود بالواحد، فذلك خلاف ما يفهم هاهنا من الفاعل والمفعول والصانع والمصنوع ) ) [1] .
و قال أيضا: (( فلو تخيلت أمرا له مأمورون كثيرون و أولئك لهم مأمورون أُخر(=تحريك الأفلاك بعضها بعضا) ولا وجود للمأمورين إلا في قبول الأمر وطاعة الأمر ولا وجود لمن دون المأمورين إلا بالمأمورين) = المحركين = نظام السببية) لوجب أن يكون الآمر الأول (= المحرك الأول= السبب الأول) هو الذي أعطى جميع الموجودات المعنى الذي به صارت موجودة فانه إن كان شيء وجوده في انه مأمور فلا وجود له إلا من قبل الآمر الأول. وهذا المعنى هو الذي يرى الفلاسفة انه عبرت عنه الشرائع بالخلق والاختراع والتكليف فهذا هو اقرب تعليم يمكن أن يفهم به مذهب هؤلاء القوم من غير أن يلحق ذلك الشنعة التي تلحق من سمع مذاهب القوم على التفصيل الذي ذكره أبو حامد هاهنا. وهذا كله يزعمون انه قد تبين في كتبهم فمن أمكنه أن ينظر في كتبهم على الشروط التي ذكروها فهو الذي يقف على صحة ما يزعمون أو ضده وليس يفهم من مذهب أرسطو غير هذا ولا من مذهب أفلاطون وهو منتهى ما وقفت عليه العقول الإنسانية )) [2] .
و أقول: هذا الرجل أمره غريب جدا، فهو مُصر على التحريف و التلاعب بالشرع و عقول الناس، و مُصر على موقفه و لو بالباطل. فهمه ليس الحقيقة , إنما هو الانتصار لأرسطو و أصحابه و لو بالباطل، و هذا أفصح عنه هنا صراحة، عندما ذكر أن هدفه رفع الشناعة التي لحقت هؤلاء. فهو يعمل على رفعها بحق و بدون حق، و لهذا وجدناه يُخالف الشرع و العلم و العقل في معظم مواقفه من أجل الانتصار لهؤلاء. فهو بهذا ليس طالبا للحق، و لا باحثا عن البرهان الصحيح، و إنما همه هو الانتصار لشيخه أرسطو و أصحابه.
(1) تهافت التهافت، ص: 252 - 253.
(2) تهافت التهافت، ص: 252 - 253.