ظنون و خرافات أرسطو و أصحابه المتعلقة بالعقول و الأجرام السماوية، فأوردته الموارد المهلكة.
و النموذج الثالث مفاده أن ابن رشد زعم أن المبدأ الأول- الإله- هو الذي أمر العقول بأن تأمر سائر الأفلاك بكل الحركات. فعبّر عن ذلك بقوله: (( ومما صح عندهم أن الآمر بهذه الحركة هو المبدأ الأول،(=المحرك الأول) ، وهو الله سبحانه، وانه أمر سائر المبادئ (=العقول الفلكية) أن تأمر سائر الأفلاك بسائر الحركات، وان بهذا الأمر قامت السموات والأرض كما أن بأمر الملك الأول (الرئيس) في المدينة قامت جميع الأوامر الصادرة ممن جعل له الملك ولاية أمر من الأمور من المدينة إلى جميع من فيها من أصناف الناس كما قال سبحانه: {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاء أَمْرَهَا} فصلت 12 - . وهذا التكليف والطاعة هي الأصل في التكليف والطاعة التي وجبت على الإنسان لكونه حيوانا ناطقا )) [1] .
و أقول: هذا الرجل يتكلم بلا علم، و يفتري على الشرع و العقل، و يتظاهر بالشرع و هو مخالف و مُحرف له. إنه و أصحابه تكلموا في أمر لا يُمكن أن يصلوا فيه إلى نتيجة يقينية إلا بالوحي، و هذا لم يكن عند أرسطو و أصحابه، و لا ابن رشد رجع فيه إلى الشرع. فخاضوا في موضوع غيبي لا يُمكنهم إدراكه و لا الخوض فيه، و لا التثبت منه، و من ثم لا يصح القول أنه صح عندهم. فلم يصح من ذلك شيء عندهم، و لو صح ما أخطؤوا فيما قالوه. فمن أين لهم أن الله أمر بذلك؟؟!، و أليس الثابت عن أرسطو أنه لم يقل أن الإله أمر، و لا كان هو علة فاعلة للكون، و إنما الكون تحرك بذاته في عشقه للإله بدون علم و لا أمر منه [2] !!!، فلماذا ابن رشد يفتري على الرجل، و يُقوّله ما لم يقله؟؟!، فلماذا هذا التحريف المُتعمد؟؟!!. و إذا قيل: إن ابن رشد قال ذلك انطلاقا من الشرع.، فهذا لا يصح من وجهين: الأول هو أن ابن رشد كان في صدد ذكر موقف أرسطو و أصحابه الأوائل، و هم كانوا قبل الإسلام، فلا يصح أن يُقوّلهم ما يقوله الإسلام، و هم لم يقولوا بذلك، و لا أدركوا الإسلام.
و الوجه الثاني إن ابن رشد عندما قرر مذهبهم خالف الشرع مخالفة صريحة و لم يأخذ به، فكيف يأخذ به و هو مخالف له؟؟؟!!!. لأن الثابت شرعا أن الله تعالى خلق كل شيء، و لم يأمر بالحركة العقول المزعومة، و لا غيرها، و هذا الخلق من عدم هو الذي أوجد الكائنات بذواتها و مادتها، و مكانها و زمانها و حركاتها. و بهذا يسقط كل ما ذكره ابن رشد عن هؤلاء و وافقهم عليه.
(1) تهافت التهافت، ص: 252.
(2) عن هذا الموضوع أنظر: مبحث الصفات في الفصل الثاني من كتابنا هذا.