الصفحة 18 من 217

مُطيعة للعقول المزعومة التي قال بها أرسطو و أصحابه كابن رشد و غيره. قال سبحانه: {لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} يس 40 - ،و {وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا} الفرقان 2 - ،و {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} النمل 88 - ،و {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فصلت 11 - ،و {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} الإسراء 44 - ،و {اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} الرعد 2 - .

و أما من الناحية العلمية فقد بينت الاكتشافات الحديثة ما ذكره القرآن الكريم، من أن الأجرام السماوية هي أجسام مخلوقة، و لا عقول لها تحركها، و إنما هي بذاتها مخلوقة مسخرة بأن تدور في أفلاكها، و فق قوانين لا تحيد عنها، و هي محكومة بقانون الجاذبية العام الذي يمسك العالم بأسره [1] .

و النموذج الثاني يتعلق ببعض صفات العقول المفارقة المزعومة، و مفاده أن ابن رشد قال: (( وصح عندهم أن هذه البادئ مفارقة للمواد من قِبل أنها التي أفادت الإجرام السماوية الحركة الدائمة التي لا يلحقها فيها كلال ولا تعب وأن كل ما يفيد حركة دائمة بهذه الصفة فانه ليس جسما و لا قوة في جسم، وان الجسم السماوي إنما استفاد البقاء من قبل المفارقات(= العقول السماوية ) )) [2] .

و أقول: إنه لم يصح عندهم شيء، و إنما هؤلاء اعتمدوا على ظنونهم و رغباتهم، و خرافاتهم و اجتهاداتهم، و زعموا أنها صحيحة أقاموها على البرهان. و الحقيقة خلاف ذلك قطعا، و لو كانت صحيحة ما خالفوا الشرع و العلم معا. و هذا الرجل تعمد مخالفة الشرع في تصحيحه لما قاله هؤلاء، و في سكوته عن أخطائهم و مخالفاتهم للشرع. لأن الثابت شرعا و علما أن الكون كله مخلوق، و أنه سينتهي، فلا العقول المزعومة أزلية، و لا هي التي أعطت الحركة للأجرام السماوية، و لا العقول و لا هذا الأجرام أزلية دائمة الحركة. فهذه كلها أباطيل مخالفة للشرع و العقل و العلم و قد سبق أن توسعنا في ذكر الأدلة على عدم أزلية العالم بكل ما فيها، فلا نعيدها هنا. فكلامه هذا كله مبني على أساس باطل، و من ثم فكل ما قاله غير صحيح. و لو رجع إلى الشرع و أخذ به، لما أخطأ، و لاستطاع أن يُوظف معطيات الشرع في الرد على الأفكار المخالفة له. لكن هذا الرجل المسكين المهزوم و السلبي ترك الشرع وراء ظهره، و تعلق بأوهام و

(1) أنظر مثلا: آن هوايت: النجوم، ترجمة إسماعيل حقي، ط 7، دار المعارف، القاهرة، 1992، ص:14 و ما بعدها، و 38 و ما بعدها. و عبد الحميد سماحة: في أعماق الفضاء، ص: 25 و ما بعدها، و 36 و ما بعدها.

(2) تهافت التهافت، ص: 251 - 252.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت