الصفحة 17 من 217

مفارقة محضة تعقل صور الموجودات، و هي أشرف من العقول البشرية. و قد سماها ابن رشد بالعقول المفارقة. و هذه العقول ترجع كلها إلى مبدأ واحد مفارق هو السبب في جميعها، و هي تتفاضل فيما بينها حسب حالها منه في القرب و البعد. و قد أورد ابن رشد أقوال و مواقف أصحابه الفلاسفة المشائين من دون انتقاد لها، و لا ذِكر لموقف الشرع منها [1] .

و الأجرام السماوية عند الفلاسفة المشائين- أرسطو و أصحابه- هي كائنات أزلية لا تقبل التكون و الفساد، فهي خلاف حال الكائنات الأرضية التي تقبل التكوّن و الفساد. و لها نفوس، و تعقل العقول المفارقة، و هي التي تتولى تدبير أحوال العالم الأرضي. و قد ذكر ابن رشد كلامهم هذا من دون أن ينتقده، و لا أشار إلى موقف الشرع منه، و مخالفته له في ذلك [2] .

و من أقواله الجامعة المعبرة عما حكيناه عن هؤلاء أنه قال: (( ومذهب القوم(=أرسطو، المشاؤون) القديم هو أن هاهنا مبادئ هي الأجرام السماوية، و مبادئ الأجرام السماوية موجودات مفارقة للمواد (عقول) هي المحركة للأجرام السماوية. والأجرام السماوية تتحرك إليها على جهة الطاعة لها والمحبة فيها والامتثال لأمرها إياها، بالحركة والفهم عنها، وأنها إنما خلقت من أجل الحركة )) [3] .

و ردا عليه أقول: أولا إن كلامه هذا أوهام وظنون لا يُوجد دليل صحيح يثبته، و هو كلام بلا علم و رجم بالغيب، و قد قام الدليل الصحيح على بطلانه. و من أين لهم بهذا المزاعم بأن الأجرام السماوية تتحرك إلى المبادئ المفارقة، على جهة الطاعة لها و المحبة، و الامتثال لأمرها؟؟!!!. هذا هذيان و كلام بلا علم و لن يستطيع أي إنسان إثبات ذلك أبدا، فلماذا إذًا سمح لنفسه القول به؟؟!!، فأين حكاية البرهان التي تغنى بها كثيرا؟!!، فهذا الذي قرره لن يُثبَت يقينا إلا بوحي من عند الله أو على لسان رسوله، أو من مُشاهدة مباشرة، أو بواسطة تُثبت ذلك يقينا. و هذا كله لم يتوفر عندهم، فلماذا تكلموا فيه بلا علم؟؟!!.

و من الناحية الشرعية فإن الرجل قرر ما يُخالف الإسلام صراحة من جهة، و تبنى خرافات أرسطو و أصحابه و جعل الشرع وراء ظهره من جهة أخرى. فالشرع أكد على أن الأجرام السماوية لا تحركها عقول و لا مبادئ، و لا ملائكة، و إنما نص صراحة على أن الأجرام السماوية مخلوقة لله، و إنها مُسخرة بأمره و أنها تسبح في الفضاء وفق قانون لا تحيد عنه، و أنها مُطيعة لله، و ليست

(1) تهافت التهافت، ص: 271، 272، 273، 274.

(2) تهافت التهافت، ص: 271، 272.

(3) تهافت التهافت، ص: 251.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت