الصفحة 16 من 217

على أن الجرم السماوي له طبيعة خامسة، و أنه (( لا يلحقه الكون و الفساد، و لا سائر الأشياء اللاحقة من جهة الكون و الفساد ) ) [1] .

و ثانيا أُشير هنا إلى أن حكاية البرهان التي اختفى من ورائها هذا الرجل و أصحابه، ما هي إلا وهم؛ لأنه بما أن معظم ما قاله باطل شرعا و عقلا، فلا شك انه لم يقم عندهم برهان أصلا، فلو كان برهانا ما أخطؤوا في ذلك، و إنما هي أهواء و تخمينات، و اجتهادات و سفسطات، بل و بعضها خرافات، زعموا أنها براهين.

و تجب الإشارة هنا إلى أن ابن رشد ذكر مخالفات شرعية و سكت عنها، و قرر مذهب أصحابه، و هذا لا يصح شرعا و لا عقلا. فكان عليه أن لا يفعل ذلك، وأن لا يغفل القرآن و يختبئ من وراء حكايته لقول هؤلاء و هو منهم. و لا يصح الاختفاء من وراء حكاية أنهم زعموا، و أنه صح عندهم البرهان، لكي يتهرب و يجنب نفسه النقد من جهة، و يُقرر مذهب أصحابه و ينتصر له من جهة أخرى.

و بذلك يتبين أن قول ابن رشد و أصحابه بأن العناصر الخمسة المكونة للعالم أزلية، و أن العنصر الخامس المكون للأجرام السماوية جسم بسيط لا يقبل تكونا و لا فسادا. هو زعم باطل مُتهافت مخالف للشرع و العلم معا، قاله هؤلاء ظنًا و تحكمًا لغايات في أنفسهم. و تبين من تلك النماذج أيضا أن ابن رشد و أصحابه وقعوا في أخطاء علمية و انحرافات منهجية كثيرة، أحصيتُ منها أكثر من 15 خطأ و انحرافا منهجيا.

ثالثا: موقف ابن رشد و أصحابه من كائنات العالم العلوي:

نُفرد هذا المبحث لمواقف ابن رشد و أصحابه المشائين من كائنات العالم السماوي، من جهة طبيعتها، و أنواعها، و وظيفتها، و أمور أخرى، أشار إليها ابن رشد كلها في كتابه تهافت التهافت. و سنذكر منها طائفة متنوعة من خلال النماذج الآتية، هي من باب التمثيل لا الحصر:

الأول يتعلق بمكونات العالم السماوي و طبيعتها، و هي عند أرسطو و أصحابه المشائين - منهم ابن رشد- تتكون من العقول المفارقة و الأجرام السماوية. فالعقول عندهم هي التي تحرك الأجرام السماوية. و هي ليست أجساما، و لا في أجسام و إنما هي مبادئ أولى للأجسام المحيطة بالعالم، و هي عقول

(1) ابن رشد: شرح السماء و العالم، تحقيق أسعد جمعة، ص: 17 و ما بعدها، 238، و ما بعدها. و ابن رشد: رسالة السماء و العالم و الكون و الفساد، حققه رفيق العجم و جيرار جهامي، ص: 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت