الصفحة 15 من 217

صحيحا ما تكلموا بلا علم، و لا خاضوا في أمور لا يُمكنهم رؤيتها، و لا التأكد منها بطرق صحيحة.

و ثانيا إننا لا نتوسع هنا في الرد عليه في هذا النموذج، لأنه سبق أن بينا بالأدلة الشرعية و العلمية بطلان قول ابن رشد و أصحابه بأزلية الكون و أبديته. و عليه فإن قولهم بأن الأجرام السماوية غير مُتكونة و لا فاسدة، هو قول لا يصح، و ينهار ما بنوه عليه بالضرورة.

كما أن قولهم بأن الأجسام السماوية مكونة من جسم بسيط، و ليس من جسم مُركب؛ هو قول باطل أيضا، أقاموه على ظنونهم، و رغباتهم، و تحكماتهم. لأن الثابت شرعا و علمًا أن المادة الأولى المكونة للعالم كله هي في الأصل مادة واحدة من جهة. و أن العناصر المكونة للعالمين العلوي و الأرضي هي عناصر مُتشابهة فيما بينها من جهة ثانية. و أن كل كائنات العالم العلوية منها و السفلية متكونة في تكوينها الدقيق من وحدة واحدة هي الذرة من جهة ثالثة. و أن كل الذرات مُركبة في داخلها تركيبا متشابها، من جهة المدارات و النواة و مكوناتها من جهة رابعة [1] .

و النموذج الأخير-الخامس- مفاده أن ابن رشد عندما عرض قول الفلاسفة المشائين في العناصر المكونة للعالم، أشار إلى أن الفلاسفة يزعمون أنه قام البرهان عندهم على ما قالوه. ثم بعدما عرض ذلك أشار أيضا إلى أن تبيين ما ذكره ببرهان ليس هنا محله، و من كان من أهل البرهان فليطلبه في مكانه فقال: (( و هذا كله فلا تطمع هاهنا في تبينه ببرهان، و إن كنت من أهل البرهان فأنظره في مواضعه ... ) ) [2] .

و أقول: أولا إنه ذكر أن هؤلاء زعموا ببرهان عندهم بأن العناصر الخمسة هي المكونة للعالم بما لها من خصائص تميزت بها. ثم عاد و قال: من أراد ذلك ببرهان فليرجع إلى الكتب الخاصة بذلك. و يريد بها أساسا كتبه الفلسفية، منها كتاب السماء و العالم، و قد أشار إليه محقق الكتاب في الهامش. و هو - أي ابن رشد- هنا قال برأيهم، و عرض رأيه مع قولهم من جهة، و هو في كتبه الفلسفية ذكر موقفه بصراحة، كما في كتابه شرح السماء و العالم من جهة أخرى. فقال بأن الجرم السماوي و مكوناته له طبيعة خاصة مخالفة لطبيعة الجرم الأرضي، لذا فهو ليس ثقيلا و لا خفيفا، و لا يحتاج إلى شيء يحمله. و أكد

(1) أنظر مثلا: الموسوعة العربية العالمية، مادة: الذرة.

(2) تهافت التهافت، ص: 144، 146.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت