نقطة حرجة ثم يبدأ بالانطواء على نفسه، ويعود من حيث بدأ )) . و هذا يُذكرنا بما ذكره الله تعالى عندما حدثنا عن نهاية الكون بقوله: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) [الأنبياء: 104] [1] . فلو رجع الرجل إلى الشرع، و تدبّره جيدا ما أخطأ فيما قال به.
و النموذج الثالث مفاده أن ابن رشد قال: (( فمن تصور هذا علم أن كل عالم يفرض، لا يمكن أن يكون إلا من هذه الأجسام. و أن الأجسام لا تخلو أن تكون إما مستديرة، فتكون لا ثقيلة و لا خفيفة، و إما مستقيمة فتكون إما ثقيلة و إما خفيفة أعني إما نارا و إما أرضا و إما ما بينهما. و أن هذه(الأجسام) لا تكون إلا مستديرة أو في محيط مستدير (فلك) ، لأن كل جسم إما أن يكون متحركا من الوسط أو إلى الوسط، و إما حول الوسط )) [2] .
و أقول: قوله هذا ظن و تحكم، و كلام بلا علم بناه الرجل على رغبته و خلفيته المذهبية من جهة. و هو كلام باطل و مخالف للشرع و العلم من جهة أخرى. لأنه لا توجد أية علاقة بين نوع الحركة و الثقل , و الثابت علما أن الأجرام السماوية مستديرة و منها الثقيل جدا، و منها المتوسط، و منها الخفيف. فالأرض مثلا مستديرة الحركة لكنها ثقيلة من جهة، و أقل ثقلا من كثير من الأجسام السماوية، كما سبق أن بيناه من جهة أخرى. فالرجل أخطأ من جهتين: الأولى أخطأ في طريقة الاستدلال عندما اعتمد على نوع الحركة من ناحية الاستدارة و الاستقامة. و الجهة الثانية أنه أخطأ في النتيجة التي توصل إليها.
و النموذج الرابع مفاده أن ابن رشد ذكر أن الأجرام السماوية عند المشائين تتكون من جسم بسيط، غير كائن و لا فاسد، و لو كان مركبا لفسد، و الأجرام السماوية عندهم لا تقبل الصِغَر و لا الكِبَر لأنها بسيطة [3] . و ذكر أيضا أن الشيء البسيط لا يُعدم، لأن البسيط (( لا يتغير، و لا ينقلب جوهره إلى جوهر آخر ... و كذلك كان يلزم أن لا يتكون بل كان يكون موجودا لم يزل، ولا يزال ) ) [4] .
و أقول: أولا إن قوله هذا باطل جملة و تفصيلا، و مخالف للشرع و العلم معا. و قد سكت ابن رشد- كعادته- عن مخالفة قول أصحابه- و هو موافق لهم- لما ذكره القرآن الكريم من جهة، و لا يُوجد دليل عقلي صريح يُثبت ما قاله هؤلاء من جهة أخرى. و إنما هو زعم بنوه على رغباتهم و تحكماتهم، و ظنياتهم و اجتهاداتهم، و خلفياتهم المذهبية. و لو أنهم استخدموا منهجا استدلاليا
(1) عبد الدائم الكحيل: اتساع السماء: حقيقة قرآنية و علمية. موقع الإعجاز العلمي في القرآن و السنة: www.kaheel 7.com
(2) تهافت التهافت، ص: 145.
(3) تهافت التهافت، ص: 290، 291.
(4) تهافت التهافت، ص: 216.