الصفحة 31 من 217

لا مُختارة، و إنما هي كغيرها من الكائنات المسخرة لخدمة الإنسان كالأرض و الرياح و المياه.

و النموذج السابع مفاده أن ابن رشد ليُبيّن موقف الفلاسفة المشائين -و هو منهم - من العلاقة بين المبادئ المفارقة- العقول المفارقة- و المبدأ الأول- الإله-، شبه ذلك بالمدينة الواحدة، فقال: (( و العالم أشبه شيء عندهم بالمدينة الواحدة، وذلك انه كما أن المدينة تتقوم برئيس واحد ورئاسات كثيرة تحت الرئيس الأول، كذلك الأمر عندهم في العالم. و ذلك أنه كما أن سائر الرئاسات التي في المدينة إنما ارتبطت بالرئيس الأول من جهة أن الرئيس الأول هو المُوقِف لواحدة واحدة، من تلك الرئاسات على الغايات التي من أجلها كانت تلك الرئاسات، وعلى ترتيب الأفعال الموجبة لتلك الغايات. كذلك الأمر في الرئاسة الأولى التي في العالم مع سائر الرئاسات. وتبين عندهم أن الذي يعطي الغاية في الموجودات المفارقة للمادة هو الذي يعطي الوجود، لأن الصورة و الغاية هي وحدة في هذا النوع من الموجودات. فالذي يعطي الغاية في هذه الموجودات هو الذي يعطي الصورة، و الذي يعطي الصورة هو الفاعل فالذي يعطي الغاية في هذه الموجودات هو الفاعل. ولذلك يظهر أن المبدأ الأول هو مبدأ لجميع هذه المبادئ فانه: فاعل وصورة و غاية ) ) [1] .

و أقول: مثاله هذا لا يصح، و مُخالف للشرع و العقل معا، لأن الحقيقة هي أن العالم بأسره سواء كان سماويا أو أرضيا، هو مخلوق لله تعالى، و من ثم فإن العلاقة هي علاقة بين الخالق و المخلوق، و ليست بين رئيس كبير مع رؤساء يُشبهونه في الخِلقة، لكنهم أقل منه مرتبة، فهم متعاونون معه و في خدمته. فمثاله هذا لا يصح من هذه الجهة.

و لا يصح أيضا من جهة طبيعة العلاقة بين الطرفين، فالعلاقة الصحيحة بين الخالق و المخلوقة هي علاقة عبودية المخلوق لخالقه، لقوله سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ 56} مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ {57} إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ {58} - الذاريات: 56 - 57 - . و ليست هي علاقة تعاون بين الرئيس و زملائه الرؤساء الأقل منه مرتبة لخدمة مصالحهم و تبادل المنفعة.

و بما أنه قام الدليل الشرعي و العلمي على أن الكون كله مخلوق بعد عدم، و أنه سائر إلى الزوال، فهذا دليل دامغ على أن الحقيقة هي أننا بين خالق و مخلوق، و لسنا بين رئيس و الرؤساء الأقل منه رتبة.

(1) تهافت التهافت، ص: 283.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت