يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاء رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ الرعد 2 - . يتبين منها أن السماء ثقيلة و تحتاج إلى شيء يحملها هي و الأرض. لأن الآية نصت صراحة على أن الله تعالى رفع السموات بغير عمد نراها، بصيغة الجمع: السموات و ليس السماء فقط،، فهذا يعني أن الكون بأسره مرفوع، بما فيه الأرض. و بما أن الأرض محمولة و هي ثقيلة من دون شك، فهذا يعني أن السماوات هي أيضا ثقيلة، و إلا ما احتاجت إلى ما يحملها كالأرض. و بما أنها- السموات و الأرض- مرفوعة بعمد لا نراها، فهذا يعني أنها كلها ثقيلة، لأنها احتاجت إلى الرفع و العمد. فلو لم تكن الأجرام السماوية ثقيلة ما احتاجت إلى الرفع و العمد لرفعها.
و الثالثة قوله سبحانه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} الحج 65 - . فهذا الإمساك للسماء من أن تقع على الأرض يتضمن إشارة إلى أن السماء -بمحتوياتها- ثقيلة، و أن وقوعها على الأرض يُمثل خطرا على الإنسان و من عليها. لذا مَنّا الله تعالى به علينا من جهة، و تضمن أيضا تهديدا من الله تعالى للإنسان من جهة أخرى. و هذا شاهد آخر على أن السماء بمكوناتها ثقيلة، و ليست خفيفة و لا ثقيلة كما زعم ابن رشد و أصحابه.
و أما من الناحية العلمية، فالعلم الحديث نص على ما ذكره القرآن الكريم، و أثبت خطأ مزاعم هؤلاء جملة و تفصيلا. فبالنسبة لمادة العالم، فقد أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة أن العالم كله مُكون من مادة واحدة منذ بدايته. و العناصر الموجودة في الأرض هي نفسها تقريبا الموجودة في الأجرام السماوية. فالشمس مثلا، من مكوناتها: غازا الهيدروجين و الهليوم، يمثل فيها الأول 3/ 4 من كتلتها. و هذان الغازان موجودان في الغلاف الغازي للأرض [1] ، و الهيدروجين يدخل في تكوّن الماء، و موجود في القشرة الأرضية بنسبة 1/ 100 [2] .
و أما من جهة الثقل، فقد أثبتت الأبحاث العلمية الحديثة أن الأجرام السماوية فيها الثقيلة جدا و الخفيفة. و أنه توجد أجسام كبيرة الحجم جدا تزيد عن وزن الأرض عشرات المرات بل أكثر. فالشمس مثلا تصل كتلتها (( إلى 99,8 % من كتلة المجموعة الشمسية وتبلغ ما يقرب من 1,047 مرة قدر كتلة المشتري
(1) منصور حسب النبي: لزمان بين العلم و القرآن، ص: 108. و دافيد برجاميني: الكون، دار الترجمة، بيروت، ... ، ص: 13، 87.
(2) الموسوعة العربية العالمية، مادة: الهيدروجين.