الصفحة 11 من 217

تطرق ابن رشد إلى موقف أصحابه المشائين المتعلق بطبيعة العناصر المكونة لمادة العالم السفلي و العلوي. فذكره و انتصر له مع أنه مخالف للشرع، و مُفتقر للدليل الصحيح من العقل و العلم. و النماذج الخمسة الآتية تُبين ذلك بوضوح.

الأول مفاده أن ابن رشد ذكر أن العالم مكون من خمسة أجسام - عناصر-، واحد لا ثقيل و لا خفيف هو الجسم السماوي الكروي المتحرك حركة مستديرة. و الأربعة الباقية هي: التراب (الأرض) ، و النار، و الهواء، و الماء. و التراب (الأرض) ثقيل بإطلاق، و لهذا كانت الأرض مركز جسم العالم و هي ثابتة [1] .

و أقول: قوله هذا غير صحيح شرعا و علما. فأما شرعا فالله تعالى ذكر صراحة أن الكون كله مخلوق من مادة واحدة، لقوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} الأنبياء 30 - ، و {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فصلت 11 - ، و بهذا تسقط حكاية العناصر التي قال بها ابن رشد و أصحابه.

و أما قولهم بثبات الأرض و أنها مركز العالم، فالشرع قرر خلاف ذلك، لأنه لا يُوجد نص قرآني، و لا حديث صحيح نص على ثبات الأرض من جهة، و إنما خلافه هو الذي أشارت إليه آيات قرآنية من جهة أخرى. منها قوله سبحانه: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ} الزمر 5 - ، و {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ} النمل 88 - ، و {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} الأنبياء 33 - .

و في الشرع أيضا إشارات تدل على أن الأجرام السماوية ثقيلة، منها ما يتبين من الآيات الثلاث الآتية: الأولى نصّت صراحة على أن مادة الأرض هي نفسها مادة السموات لأن أصلها واحد، لقوله سبحانه: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} الأنبياء 30 - . و بما أن الأرض ثقيلة الوزن كما هو مُشاهد، فهذا يعني أن الأجرام السماوية هي أيضا ثقيلة الوزن لأنها مخلوقة من نفس مادة الأرض.

و الآية الثانية قوله تعالى: اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ

(1) تهافت التهافت، ص: 144، 145.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت