الثاني: أن في ذلك ممارسة لمصطلحات المتقدمين وأقوالهم وفهمًا لها ـ بدون وسيط ـ ومعرفة لطريقتهم القائمة على سبر حال الراوي ومروياته بدقة عظيمة ـ مع الاستعانة بشروح المتأخرين عليها ـ.
الثالث: أن في ذلك أمنًا في التحريف أو الفهم الخاطئ الذي قد تتوارد عليه كتب المتأخرين ـ كما سيأتي أمثلة على ذلك إن شاء الله تعالى ـ.
وسوف أذكر فيما يلي نماذج لبعض الراوة المدلسين ودراسة مختصرة ومقارنة بين ما ذكر عنهم في كتب المتقدمين والمتأخرين:
الحسن البصري (1) :
ذكره النسائي في (المدلسين) (2) ، وذكره الحاكم في (معرفة علوم الحديث) في (الجنس السادس من المدلسين) وهم: (قوم رووا عن شيوخ لم يروهم ولم يسمعوا منهم) ومثل لذلك بقوله (أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة ولا من جابر ولا من ابن عمر ولا من ابن عباس شيئًا قط) (3)
والمتتبع لمرويات الحسن في الصحاح، وحال سماعاته ممن فوقه، وطريقة الأئمة المتقدمين في تصحيحيها وتضعيفها، وأقوال المتقدمين في تدليسه (4) يرى أن غالب المراد به.
(الصورة الثانية) وهو (الرواية عمن لم يسمع منه) ، فهو من قبيل (المرسل) في الحقيقة ـ فلا ينظر فيه إلى (العنعنة) ولا (التحديث) بل ينظر فيه إلى كتب (المراسيل) فمن ثبت عدم سماعه منه فهو منقطعع وإلا فمتصل ـ كما سيأتي مزيد توضيح إن شاء الله تعالى عن هذا الأمر في الفصل الرابع ـ.
(1) النظر الدراسة التي قام بها الشيخ حاتم العوني لمرويات الحسن البصري وطبيعة تدليسه والفرق بين التدليس والمرسل الخفي في كتابه الرائع (المرسل الخفي وعلاقته بالتدليس) في أربع مجلدات.
(2) سير أعلام النبلاء 7/ 74.
(3) معرفة علوم الحديث) ص109.
(4) انظر سبر لمروياته في دراسة (حاتم العوني) المشار إليها سابقًا في المجلدات الثلاثة الأخيرة.