فإذا وجد نص لأحد الأئمة يصف فيها أحد الرواة بأنه مدلس، فلا بد من النظر في التدليس المراد، لأن حكم كل صورة يختلف عن الأخرى:
فالصورة الثانية والثالثة: يعرف فيه لانقطاع ولا ينظر فيها إلى الصيغة، فمتى تحقق السماع في الجملة تحقق الاتصال.
والصورة الرابعة: ينظر فيها إلى صحة وثقة الواسطة.
والصورة الخامسة: يعرف فيها الاتصال ولا ينظر فيها إلى لصيغة بل يتحقق من شيخ المدلس.
وأما الصورة الأولى: ففيه تفصيل موجود في الفصل الرابع.
ثم إن الرواة من قد يجتمع فيه أكثر من صورة من هذه الصور مابن جريج مثلًا، ومنهم من لا يعرف له إلا صورة واحدة كابن أبي نجيح وزكريا بن أبي زائدة.
فإذا تبين ما سبق: علمت أن النظر في مسألة التدليس من خلال تعريف المتأخرين فقط وهو: (أن يروي عن من لقيه وسمع منه شيئًا لم يسمعه منه بصيغة محتملة) ، يترتب عليها أخطاء من نواح عدة:
من أهمها: قصر النظر في مسألة (التدليس) على (صيغة رواية المدلس) هل (عنعن أو صرح بالتحديث) ؟.
فعند النظر ـ مثلًا ـ إلى طبقات المدلسين) لابن حجر رحمه الله ـ وهو عمدة كثر ممن جاء بعده ـ نجد أنه اعتمد في تقسيمه لمراتب المدلسين على مسألة (قبول عنعنة المدلس أو ردها) ، ووضع فيه جميع أو أكثر من ذكر عنه السلف أنه (مدلس) ، وهذا خطأ ظاهر بناءا على ما سبق من مصطلح (التدليس) عند السلفوذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن من المدلسين من لا ينظر في روايته إلى (العنعنة أصلًا) بل ينظر فيه إلى مطلق سماعه (1) ممن فوقه فإن سمع منه وإلا فهو منقطع ولو وجد في بعض الطرق التصريح بالتحديث ـ لتحقق الانقطاع ـ وذلك كروايات الحسن وابن أبي عروبة وكثير من تدليس قتادة وأبي إسحاق السبيعي.
(1) انظر: التطبيقات العملية في الفصل الرابع، فقد ذكرت أمثلة على ذلك.