الصفحة 151 من 155

قلت: فقد خالف هنا أبو إسحاق وابنه شعبة في رواية هذا الحديث ، فأبو إسحاق رواه عن بريد عن أبي الحوراء عن الحسن بلفظ ( علمني كلمات أقولهن في قنوت الوتر ) ، ورواه شعبة عن بريد به بلفظ ( كان يعلمنا هذا الدعاء ) ، والمخالفة بين اللفظين ظاهرة لذلك حكم ابن خزيمة بأن الصواب رواية شعبة وقال ( وشعبة أحفظ من عدد مثل يونس بن أبي إسحاق ) ، ومقهوم حكمه هذا أن رواية أبي إٍحاق وهم ، إلا أنه أراد تلمس علة ممكنة في السند من غير توهيم الثقات فقال ( وأبو إسحاق لا يعلم أسمع هذا الخبر من بريد أو دلسه عنه ) ، على أن ( يونس بن أبي إسحاق ) قد تابع أباه في اللفظ مما يدل ـ كما ذكره عن بعض العلماء ـ أنه مسموع له غير مدلس فلم يبق إلا التوهيم .

تنبيه

من النظر في الحالتين الأولى والثانية يظهر بينهما من وجهين:

الوجه الأول: أن التدليس متحقق في الحالة الأولى بما ثبت في الأسانيد الأخرى من ورود الواسطة ، ونحو ذلك ، أما في الحالة الثانية فالتدليس محتمل إذ هو تابع للتعليل الرئيس وهو وجود ( النكارة أو المخالفة ونحو ذلك ) .

الوجه الثاني: أن نفي وجود التدليس في الحالة الأولى ـ بشكل ما ـ يصلح تصحيحًا للحديث الذي علل به ويصلح ردًا لتلك العلة ، أما نفي وجوده في الحالة الثانية فلا يصلح تصحيحًا لذلك الحديث ، ولكن يصلح ردًا لعلة احتمال التدليس ، وتبقى العلة الأصل كما هي إلا إذا ردت أيضًا كبيان عدم وجود النكارة أو وجود المتابعين عند وجود المخالفة ونحوه .

خاتمة

واختم هذا البحث بذكر خلاصة مفيدة إن شاء الله تعالى لما ذكرته في الأبواب السابقة:

أن أساس منهج المتقدمين في أحكامهم على الحديث في الجملة قائم على الاستقراء

الواسع والتتبع والسبر والمقارنة مع طول اشتغال بهذا اعلم وحفظه ومذاكرته ومدارسة الأئمة .

أن التدليس له عدة صور ، وكل صورة لها حكم خاص ، بل لكل مدلس حكم خاص

تقريبًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت