الثاني: أنه أراد أن لا يحمل أحدًا من الثقات الخطأ أو الوهم في هذا الحديث فحمل هذه العلة على ( احتمال التدليس ) .
وقد قال ابن حبان (1) : ( خبر حبيب بن أبي ثابت عن طاوس عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كسوف الشمس ثماني ركعات وأبع سجدات ليس بصحيح لأن حبيبًا لم يسمع من طاوس هذا الخبر ) اهـ .
فقد جزم بعد سماعه له .
مثال آخر
قال النسائي رحمه الله: (2)
( أخبرنا أبو بكر بن علي قال حدثنا سريج بن يونس قال حدثنا هشيم عن ابن شبرمة قال حدثني الثقة عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال:
( حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها والسكر من كل شراب ) .
خالفه أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي:
أخبرنا الحسين بن منصور قال حدثنا أحمد بن حنبل قال حدثنا إبراهيم بن أبي العباس قال حدثنا شريك عن عباس بن ذريح عن أبي عون عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال ( حرمت الخمر قليلها وكثيرها وما أسكر من كل شراب ) .
قال أبو عبد الرحمن ـ أي النسائي ـ:
وهذا أولى بالصواب من حديث ابن شبرمة ، وهشيم بن بشير كان يدلس وليس في حديثه ذكر السماع من ابن شبرمة ورواية أبي عون أشبه بما رواه الثقات عن ابن عباس ) اهـ .
قلت: فهو علل حديث هشيم بعدم كره للسماع بسبب المخالفة لأحاديث الثقات عن ابن عباس .
فحديث هشيم هو بلفظ ( والسكر من كل شراب ) ، بينما اللفظ الذي رجع النسائي صوابه هو ( وما أسكر من كل شراب ) ، لأن اللفظ الأول يشعر بأن المحرم من المسكر ـ عدا الخمر ـ هو الإسكار فقط ـ كما هو مذهب الكوفيين .
وبهذا اللفظ ونحوه استدل الحنفية على مذهبهم ـ فيجوز شرب النبيذ ونحو ما لم يسكر ، بخلاف اللفظ الثاني ، ثم جاء بعد هذا الحديث بأحاديث عن ابن عباس تبين مذهبه في تحريم المسكرات والنبيذ .
مثال آخر
(1) صحيح ابن حبان ) 7/98
(2) السنن الكبرى 3/233