قلت: والمقصود هنا أن الدار قطني لم يعلل حديث قتادة بمجرد العنعنة ، بل لما رأى هنا حمل ذلك على احتمال وجود التدليس وعدم التصريح بالتحديث تبرئة لقتادة من العهدة كالمثال السابق تمامًا ، وإلا فإن من الرواة عن قتادة شعبة وهو لا يحمل عنه إلا ما هو مسموع له مما يجعل احتمال وجود هذه العلة ضعيفًا .
مثال آخر
قال ابن عبد البر (1) :
( أما حديث عبيد بن عمير عن عائشة( أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلاة الكسوف ثلاث ركعات وسجدتين في كل ركعة ) ، فإنما يرويه قتادة عن عطاء عن عبيد عن عمير عن عائشة وسماع قتادة عندهم من عطاء غير صحيح (2) وقتادة إذا لم يقل سمعت وخولف في نقله فلا تقوم به حجة لأنه يدلس كثيرًا عمن من لم يسمع منه وربما كان بينهما غير ثقة ) ) اهـ .
قلت: فابن عبد البر رحمه الله أعل الحديث باحتمال التدليس لأمرين (3) :
الأول: أن هذا الحديث مخالف للأحاديث الصحيحة الثابتة في كيفية صلاة الكسوف وقد ساقها ابن عبد البر قبل هذا الحديث ، لذلك قيد التوقف في عدم تصريح قتادة بالسماع بقوله 0 وخولف في نقله ) .
الثاني: وهو ما سبق ذكره مرارًا أن حمله على التدليس تنزيهًا للراوي الثقة من تحمل تبعة الخطأ .
ولا يعني أن ما عنعنه قتادة تطرد فيه هذه العلة دائمًا لما سبق بيانه وإلا فابن عبد البر هو القائل (4) ( وقال بعض من يقول بالتيمم إلى المرفقين قتادة إذا لم يقل سمعت أو حدثنا فلا حجة في نقله وهذا تعسف ) اهـ .
فانظر كيف جعله تعسفًا ؛ لأن هذا رد للرواية بمجرد العنعنة ، مع أنه أعل ذلك الحديث بعنعنة قتادة .
مثال آخر
روى البزار من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد:
(1) التمهيد ) 3/307
(2) بل هو في الصحيحين
(3) أما سماع قتادة من عطاء فهو صحيح وليس بعلة
(4) التمهيد ) 19/287