الصفحة 140 من 155

الأول: أن يجعل مذهب الأئمة مضطربًا في هذا الباب ، حيث عللوا أحاديث لعدم وجود التصريح بالتحدي ـ كهذه الأحاديث ـ ، وصححوا أحاديث أخرى مع وجود نفس العلة ، فيحاول التوفيق بين هذين المذهبين على نحو ذكرته فيما سبق أثناء الكلام على ( عنعنة المدلسين في الصحيحين ) .

الثاني: أن يحاول أن يطرد هذه العلةفي جميع مرويات المدلسين المعنعنة ـ كما فعله كثير من المعاصرين ـ ، ثم يكر بهذه العلة أيضًا على الأحاديث التي صححها السلف فيعللها أيضًا بها ، وهذه غفلة كما قال المعلمي رحمه الله عن دقة منهج المتقدمين رحمهم الله تعالى .

الثالث: أن يرد على تعليل السلف لمثل هذه الأحاديث برجود التصريح بالتحديث مثلًا أو أن فلانًا رواه وهو لا يحمل عن شيخه إلا ما كان سماعًا ، ونحو ذلك ، فيلزم من أعلها بتصحيح الحديث بناءا على هذا ( الكشف ) عن زيف هذه العلة غافلًا عن العلة الأصلية .

فعلى كل من أراد أن يتحدث عن حديث أعله أحد من أولئك الأئمة محاولًا تصحيحه أن ينعم ويعيده طويلًا حتى يفهم حقيقة العلة (1)

(1) وأذكر هنا حديثًا علله بعض السلف وتعقبهم بعض المعاصرين ، ليعلم الفرق بين تعيل الأئمة المتقدمين ، وتعليل كثير من المعاصرين ، فقد أعل لعض الأئمة ومنهم الإمام أحمد وأبو الفضل الهرري وأبو علي النيسابوري والبزار والبيهقي الحديث الذي رواه معقل بن عبيد الله الجزري عن أبي الزبير عن جابر عن عمر مرفوعًا حديث ( ارجع فأحسن وضوءك ) وقالوا: بأنه يعرف من حديث أبي ليهعة لا يقوى أمام ما ذكرته من صحة رواية ابن وهب عنه ، فيبقى أبو الزبير وهو معروف بالتدليس ، ولم يصرح بالتحديث في كلا الطريقين عنه ، طريق معقل وطريق ابن ليهعة ، فترجيح رواية أبي سفيان لهذا الحديث يكون من هذا الجو ) اهـ

ومن العجيب أن دقة نظر الأئمة المتقدمين وإخراج مثل هذه العلل التي تخفى على كثر من الحفاظ فضلًا عن ( قراء المصطلح ) لم ترق لهذه لأنه لم يفهم علتهم ، وقد قال ابن رجب رحمه الله في ( شرح العلل ) 2/756: ( حدائق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان فيعللون الأحاديث بذلك .. ثم مثل على ذلك بعدد من الأمثلة ومنها هذا الحديث وقول الإمام أحمد فيه حديثه عن أبي الزبير يشبه حديث ابن ليهعة ) اهـ ، فمثل معرفة هذه العلة تحتاج إلى فهم دقيق ومعرفة بالرجال والأسانيد وحذق في النقدوهكذا كان حال السلف ، ثم إن هذا المتعقب لأولئك الجهابذة ترك هذه العلة الدقيقة ، مع وجود علة المخالفة أيضًا ، وصحح أن العلة الحقيقية هي ( عنعنة أبي الزبير ) وهذه العلة ( العجيبة !!! ) كانت مختفية كل هذه القرون حتى أظهرها بفهمها أعجب !! ، فعلة الجهابذة النقاد لا تقوى عنده !! ، وصحح علة يفهمها أبلد طلاب الحديث ولا تحتاج إلى أكثر من رؤية الإسناد !!! .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت