فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 96

والآخر: النظر و المعنى: فإن الولي أو القاتل إذا وقع العفو عنهما بالدية فإنه واجب على القاتل قبوله دون اعتبار رضا القاتل، لأنه عرض عليه بقاء نفسه بثمن مثله، كما لو عرض عليه بقاء نفسه في المخمصة بقيمة الطعام للزمه، يؤكده أنه يلزمه إبقاء نفسه بمال الغير إذا وجده في المخمصة فأولى أن يلزمه إبقاء نفسه بماله.

وقال الطبري في قوله تعالى: {فإتباع بالمعروف} دليل على عموم الوجوب ممن وقع، يريد أن من ذكر الدية وجب قبولها على الآخر من ولي أو جان، ثم رأى أن هذا لا يستمر فعقبه بعده بما يدل على أن الدية إن عرضها الجاني استحب قبولها وإن عرضها المجني عليه أو وليه وجب على الجاني قبولها، ولما رجع إليه استغنينا عن الاعتناء.

وقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ} ، المعنى أن الله سبحانه وتعالى عفا عما كان في الجاهلية لمن أسلم الآن، وقد بيّن له وحُدّت الحدود، فإن تجاوزها بعد بيانها فله عذاب أليم، بالقتل في الدنيا وبالعذاب في الآخرة. انتهى كلام ابن العربي.

وفي السُنة وردت أحاديث كثيرة منها قول الرسول عليه السلام:"ومن قتل عمدًا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله وغضبه، ولا يُقبل منه صرف ولا عدل" [1] .

أما الإجماع: فكما ذكرنا سابقًا، أجمعت الأمة على وجوب القصاص من الجاني.

أما العقل: فالعقل يقضي بتشريع القصاص، إما عدالة، بأن يُفعل بالجاني مثل جنايته، وإما مصلحة، بتوفير الأمن العام، وصون الدماء، وحماية الأنفس، وزجر الجناة، ولا يتحقق ذلك إلا به، فلا يلتفت إلى الدعاوى والمزاعم القائلة بأن فيه تهديمًا جديدًا للبنية الإنسانية، لأن في تشريعه صون حق الحياة للمجتمع: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ} (البقرة: 179) .

العقوبة الأصلية الثانية للقتل العمد، الكفارة:

(1) أخرجه أبو داود في سُننه، ح (4539) ، كتاب (الديات) ، باب (من قتل في جمعاء بين قوم) 40/ 182.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت