هذا قول مشكل تبلدت فيه ألباب العلماء، و اختلفوا في مقتضاه.
قال مالك في رواية ابن القاسم: موجب العمد القود خاصة، و لا سبيل إلى الدية إلا برضًا من القاتل، و به قال أبو حنيفة.
و روى أشهب عن الإمام مالك: أن الولي مخير بين أمرين، إن شاء قتل، و إن شاء أخذ الدية، و به قال الشافعي.
و رُوي عن ابن عباس: العفو أن تقبل الدية في العمد، فيتبع بمعروف و تؤدي إليه بإحسان، يعني يحسن في الطلب من غير تضييق ولا تعنيف، و يحسن في الأداء من غير مطل ولا تسويف.
و نحوه عن قتادة و مجاهد و عطاء و السدي، و زاد قتادة: بلغنا أن النبي صلى الله عليه و سلّم قال:"من زاد أو ازداد بعيرًا، يعني في إبل الدية، فمن أمر الجاهلية" [1] ، و كأنه يعني فإتباع بالمعروف لا يُزاد على الدية المعروفة في الشرع.
و قال مالك: تفسيره من أُعطي من أخيه شيئًا من العقل فليتبعه بالمعروف، فعلى هذا الخطاب للولي. قيل له: إن أعطاك أخوك القاتل الدية المعروفة فأقبل ذلك منه و اتبعه.
و قال أصحاب الشافعي: تفسيره إذا أسقط الولي القصاص و عيّن له من الواجبين الدية فاتبعه على ذلك أيها الجاني على هذا المعروف، و أد إليه بإحسان.
و هذا يدور على حرف، و هو معرفة تفسير العفو، و له في اللغة خمسة موارد:
الأول: العطاء؛ يقال: جاد بالمال عفوًا صفوًا، أي مبذولًا من غير عوض.
الثاني: الإسقاط؛ و نحوه"واعف عنا"و عفوت لكم عن صدقة الخيل و الرقيق.
الثالث: الكثرة؛ و منه قوله تعالى: {حتى عفوا} أي كثروا، و يقال: عفا الزرع أي طال.
الرابع: الذهاب؛ و منه قوله: عفت الديار.
الخامس: الطلب؛ يقال: عفيته و إعتفيته، و منه قوله: ما أكلت العافية فهو صدقة.
(1) أنظر؛ تفسير الطبري، ص 2/ 65.