فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 54

كذلك من الأمور الواجب العلم بها، أن الأخذ بالأسباب لا يتنافى مع التوكّل على الله تعالى، بل إن التوكّل جزء من الأخذ بالأسباب المعنوية والروحية، فإن المسلم أثناء أخذه بالأسباب ومباشرتها يعتمد قلبيًا على الله تعالى، فتكون ثقته بالله وطمأنينة قلبه إليه في نجاح عمله، وهذا دافع لزيادة العمل والسعي.

هذا في شأن الدنيا وما فيها من عمل وسعي وبناء ونهضة وعمران.

أما شأن الآخرة فهي أيضًا بحاجة إلى الأخذ بالأسباب والسعي، قال تعالى: {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا} (الإسراء / 19) .

قد تأتي المسببات على عكس ما يريد الإنسان، مع أنه قدر جهده أخذ بالأسباب الظاهرة للنجاح، هنا نقول أن لله حكمه في أمره، فأحيانًا لا علاقة للأسباب بالنتائج، ومع هذا على المؤمن أن يأخذ بالأسباب المتاحة والمباحة وتبقى النتائج على مسبب الأسباب.

المبحث الخامس

سنن الله في دمار الحضارات واندثارها

بينا في المبحث السابق سنن الله في قيام الحضارات ودوامها، وكيف أن أي أمة من الأمم إذا أخذت بهذه السنة وواظبت عليها، شرقية كانت أم غربية، مؤمنة أو كافرة، فإن هذه الأمم ترتقي وتنجح في تشييد الحضارة وقيامها.

وهذه السنن كثيرة, منها سنة بطر النعمة, وسنة الترف, وسنة الذنوب والسيئات, وسنة الاختلاف, وسنة الظلم, وسنة الجوع والخوف, وسنة الاستدراج, وسنة المكر والماكرين, وغيرها إلا أنني سأكتفي بذكر خمس منها، وهي الأكثر خطورة وأهمية وتأثيرًا.

وفي هذا المبحث سأتحدث عن عوامل وسنن انهيار الحضارات، واندثارها، وهي أيضًا كثيرة إلا أنني سأقتصر في الحديث عن أهمها خطرًا، وأكثرها إسراعًا في الانهيار والدمار.

أولًا: سنة الله في بطر النعمة وتغيرها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت