يقول الحاشدي: وإذا كانت الأمة الإسلامية تتطلع اليوم إلى تمكين الله لها فلا بد أن تراعي في عملها سنة التدرج، فما هدم لا يمكن أن يبنى في أيام، مع أن الهدم أسهل من البناء، فعليها أن تتبنى سياسة النفس الطويل والصبر الجميل، فتصبر على البذرة حتى تنبت، وعلى النبتة حتى تورق، وعلى الورقة حتى تزهر، وعلى الزهرة حتى تثمر، وعلى الثمرة حتى تنضج وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.
رابعًا: سنة الابتلاء:
والابتلاء في الأصل الاختبار والامتحان، يقال: بلوته وابليته وابتليته، والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر معًا من غير فرق بين فعلهما، ومنه قوله تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} .
وبلوته: اختبرته، وأبليت فلانًا إذا اختبرته، وسمي التكليف بلاءً من أوجه:
أحدها: أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان فصارت من هذا الوجه بلاءً0
الثاني: أنها اختبارات، لهذا قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ} .
والثالث: أن اختبار الله تعالى للعبد تارة بالمسار ليشكر، وتارة بالمضار ليصبر، فصارت المحنة، والمحنة جميعًا بلاء [1] .
وخلاصة الابتلاء: الاختبار والامتحان في الشدة والرخاء، وهي المشقة التي تنزل بالمرء لغرض الاختبار والامتحان، وقد استعمل القرآن الكريم لفظ الابتلاء بهذا المعنى كثيرًا، ومنه قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ} (البقرة / 155) ، ومنه قوله تعالى: {وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور} (آل عمران / 154) .
(1) أنظر؛ الأصفهاني: المفردات، 61، والمعجم الوسيط، 1/ 70.