وليس يعنينى طراز المبانى ونوع الهندسة إن الذى أهتم به هو الكتب التى ستعرض على القارئين، لقد سمعت أن المكتبة سوف تصور الثقافة السائدة في البحر المتوسط.. حسنا، في شمال هذا البحر اليونان والرومان، واللاتين في فرنسا وإسبانيا، وفى جنوبه المغرب الكبير ومصر، وفى شرقه فلسطين المحتلة ولبنان الختل، والشام وتركيا العلمنيتان... ولقد قامت المكتبة القديمة وبادت ولا صلة لها بيهودية ولا نصرانية ولا إسلام، كانت تمثل الفكر السائد في عصرها الأول، فهل ستكون المكتبة الحديثة إنسانية عامة تعرض علوم الكون والحياة، والتقدم الباهر الذى بلغه عصرنا الحاضر في الكشوف المعجبة لأسرار هذا العالم وقواه؟ ليكن..! ولعل ذلك يرضينا جميعا. إن الذى أحذر منه أن تكون المكتبة جسرا لفلسفات بالية، وتعصما وضيعا لماض كان الأوروبيون فيه لا يمثلون شيئا ذا بال من خصائص الإنسانية الرفيعة، ويريدون اليوم أن يستأنفوا جحودهم لنا واجتراءهم علينا.. وما سمعته عن أجنحة المكتبة المقترحة يثير شكوكا كثيرة.. إن الإسلام اليوم دين جريح، تنتمى إليه شعوب أغلبها من العالم الثالث، ولا يساوى تخلفها المادى إلا تخلفها المعنوى، وإذا كانت الأسفار التى تملأ الدواليب والرفوف من أنواع دوائر المعارف الأوروبية الحالية، فمن الخير ألا تقوم هذه المكمبة اعلم مقدما ما سيقال عن ثمانية قرون من تاريخ الإسلام في الأندلس، وأعلم مقدما ما سيقال عن تاريخ الإسلام في وادى النيل والشمال الإفريقى كله، وأعلم أن هناك جهودا رهيبة لإحياء حزازات عرقية ضد رسالة محمد ، والكثرة الكبرى من السكان الذين اعتنقوها.. ومن ثم فإننى أطالب بأن يكون تمثيل الإسلام عادلا وواضحا عند تأسيس مكتبة تصور ثقافة البحر المتوسط على اختلاف العصور، إننا يستحيل أن نهادن الغزو الثقافى في أية صورة يبدو فيها.
ص _076