ذلك من ناحية الشكل أو الأسلوب، أما من ناحية الموضوع والحقائق الذاتية المأنوسة في أدبنا الموروث، فإن الأمر مفزع، والجماهير المخدرة تشدها إلى القاع أقلام ليس في نفثاتها فن، ولا قيم رفيعة، ولا غايات نضيرة! وعلاقتها بالإسلام وتعاليمه مقطوعة... لقد نجح الاستعمار الثقافى في تدويخ الأمة، وفتح المجال الأناس يكرهون الألوهية ورسالة محمد، بل رسالات السماءكلها، ويهزؤون بالصلاة، ويرحبون بالشهوات، ويسوقون الجماهير إلى موت محقق... وأولو الألباب يحسون بشاعة المصير الذى تتدافع إليه أمتنا في عصر تحرك فيه العبرانيون لبناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى، وتحرك الصليبيون لتقليص الرقعة التى انساح فيها الإسلام على امتداد القرون، كى يرقصوا على بقاياه الهامدة بعد قليل أوكثير من الأيام... إن المعركة الأدبية في ضخامة المعركة العسكرية، وحراس الإسلام الآن في معركة بقاء أو فناء... ومن الصدق أن أقول: إن الأدب العربى في عهود الأتراك ذوى وكاد الشلل يأتى عليه، فلما تحرك منذ قرن كان حراكه راشدا، وغرضه ماجدا، بيد أن الاستعمار الثقافى وضع العقبات في طريقه، فبعد أن كان أميرا لشعراء يغنى في أفراح الإسلام ويبكى في مآسيه، ويرثى"أدرنة"، ويستصرخ الشعوب لمصير الإسلام بها، ويرق الخلافة الغاربة، ويرثى عمرالمختار في ليبيا.. و.. الخ جاء أدب آخر يرفض هذه الموضوعات جميعا، ويدغدغ الغرائز، ويحدو الشباب إلى دور اللهو والهوى.. . وكان تنويم الأزهر، أو شغله بقضايا أخرى، من بين أعمال هذا الاستعمار الثقافى اللعين، والمرء يأخذ منه العجب وهو يرى مصارع المثل العليا، ومقاتل الشريعة وحدودها؟ واللغة الفصحى وشعرها ونثرها، ثم يرى الجماهير هائمة على وجوهها في معركة الخبز هنا، أو في ساحات العبث هناك.. من خمسين سنة شاهدت معركة بين الأدب اللاتينى والأدب السكسونى، بين
ص _200