وفي ضوء ما سبق ذكره يمكن لنا القول: من كان منهجه في التصحيح و التضعيف هو النظر في عدالة الراوي واتصال السند فهو على طريقة الفقهاء، وعليه جرى عمل كثير من المتأخرين من أهل الحديث عموما، وهو ظاهر لكل من يتتبع كتب الفقه وأحاديث الأحكام، وكتب التخريجات، وكذلك المعاصرون ينتهجون المنهج نفسه، كما نرى ذلك في كثير من بحوثهم ودراساتهم. غير أنهم يتفاوتون في ذلك بقدر ممارستهم بمنهج المحدثين النقاد.
هذا وقد تبلور التباين المنهجي بين المتقدمين والمتأخرين في تقعيد قواعد القبول والرد في مناسبات أخرى في علوم الحديث، كمبحث تعارض الوصل والإرسال، وتعارض الوقف والرفع، ومبحث زيادة الثقة، ومبحث الاستخراج، ومبحث الشاذ المنكر.
يقول الحافظ العلائي في صدد بيان هذا التباين:
"فأما إذا كان رجال الإسناد متكافئين في الحفظ أو العدد، أو كان من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شئ من ذلك، مع أن كلهم ثقات محتج بهم، فههنا مجال النظر واختلاف أئمة الحديث والفقهاء."
"فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكموا لها، وإلا توقفوا عن الحديث وعللوه بذلك، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات، ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة، بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده".
"وأما أئمة الفقه والأصول، فإنهم جعلوا إسناد الحديث ورفعه كالزيادة في متنه يعني كما تقدم تفصيله عنهم. ويلزم على ذلك قبول الحديث الشاذ كما تقدم"24.