الصفحة 35 من 64

وربما نجد في نصوص بعض المتأخرين أن المحدثين يضعفون الأحاديث لعلة غير قادحة، وأنهم يضعفون الحديث لاختلاف رواته على شيوخهم في اسم الصحابي، ويعدون مثل هذا الاختلاف علة تقدح في صحة الحديث. و أما الفقهاء فلا يعدونه قادحا لأن الحديث في جميع الاحتمالات يكون من رواية الصحابي، ولا يضر الإبهام في اسمه لثبوت عدالة الصحابة، مما يوهم القارئ المستعجل أن الفقهاء هم في غاية من الدقة في التصحيح و التضعيف. أقول: كلا ثم كلا، فإن ذلك النوع من الخلاف لن يكون مقياسا لمعرفة دقة الفقهاء في التصحيح و التضعيف و مرونتهم في ذلك، وهذا في الواقع أمر سهل، بل لا يرد أحد من النقاد الأحاديث من أجله، وإنما يرفض فقط أن يحدد الراوي بأنه فلان، لوقوع اضطراب حوله، دون أن يقدح ذلك في صحة الحديث.

وأما الخلاف الجوهري المتمثل في كون الحديث موقوفا أو مرفوعا، أو كون الحديث مرسلا أو متصلا، أو كون الحديث بزيادة أو بدونها فيعد ذلك كله من العلل القادحة فقط إذا توفرت القرائن على أن رفعه أو وصله أو زيادته خطأ محض من راويه أيا كان هذا الراوي، ولم يكن ذلك مبنيا على مجرد تخمين، أو تجويز عقلي.

في حين يعد الفقهاء هذا النوع من الاختلاف عللا غير قادحة، نظرا لكون راوي ذلك ثقة أو صدوقا، وأن الزيادة منه مقبولة عندهم إذ كانوا يجوزون عقليا صدور ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم صارفين النظر عما يحيط بتلك الزيادات من ملابسات وقرائن. ولذا فعلى المنصف أن يتأمل: أي منهج يتسم بالدقة المتناهية التي تقتضيها مكانة السنة النبوية، منهج المحدثين النقاد الذي يقوم على تتبع القرائن والملابسات؟ أو منهج الفقهاء و الأصوليين الذي يعتمد على التجويز العقلي؟ 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت