وأما الجملة الأخيرة فتعد غريبة منه رحمه الله تعالى، وهي وليدة خلط بين قضيتين مختلفتين تتميز كل منهم عن الآخر بالضوابط، إذ موافقة القول المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم الأصول أو الآية القرآنية لا تعني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة، والذي ذكره أبو الحسن الأندلسي إنما هو من حيث محتوى النص، فسلامته من الخلل تتم بانسجامه مع الأصل الثابت أو الإجماع، وأما من حيث روايته وإضافته إلى شخص ما فينبغي أن يكون خاضعا لقواعد النقل و الرواية. وبمجرد أن يكون نص ما قد وافق الآية القرآنية لا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله بالضرورة إذا لم يكن من رواية الكذاب.
ومن المعلوم أن النقل له قواعد وضوابط، كما للعقل قواعد وضوابط، ولا ينبغي إخضاع أحدهما لقواعد الآخر إلا في حالات معينة وبطريقة علمية منهجية، وبالتالي فما لا يمنع العقل وقوعه لا يلزم إضافته إلى شخص، ما لم يثبت عنه نقلا، وكيف إذا كان الآمر يتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن الخطب فيه جلل والعاقبة وخيمة.
وعلى كل فقد ظهر جليا مما سبق أن أئمة الفقه والأصول كانوا يقعدون القواعد وينظرون المسائل فيما يخص التصحيح والتعليل والقبول والرد والجرح والتعديل وفق ما يقتضيه التجويز العقلي المجرد، كما سبق الإشارة إلى ذلك في نص الإمام ابن دقيق العيد، وكذا نص أبي الحسن الأندلسي، وبالتالي يكون من الإنصاف العلمي أن لا يعد ذلك منهجا علميا يوازي منهج المحدثين النقاد.