الصفحة 40 من 83

المقصد الثاني

إذن المريض في العلاج أو المداواة

تبين مما سبق أنَّ الإجراء الطبّي يحتاج قبل الشروع فيه إلى إذنٍ وموافقةٍ من المريض, ولا يخلو المريض الذي يصدر منه الإذن من أن تكون له أهلية صدور هذا الإذن, أو ليست له هذه الأهلية, فإنّ كان المريض قادرًا على التعبير عن إرادته, أهلا لصدور هذا الإذن منه, فإنّ الإذن في الإجراء الطبّي حقٌ متمحّض له, لا يجوز لأحدٍ أن يفتات عليه فيه, ولا يكون لأحد أن يجبره على الإذن, ولا أن يأذن نيابةً عنه, كما أنّه ليس لأحدٍ أن يعترض على إذنه بهذا الإجراء, ما لم يكن هناك مبرر شرعي لذلك, لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عاقب من قام بإعطائه الدواء رغما عنه, فقد روت عائشة رضي الله عنها قالت: «لددنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مَرَضه, فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني, فقلنا كراهية المريض للدواء, فلمّا أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ , لا يبقى أحدٌ في البيت إلاّ لُدَّ» , فقد عاقب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من داواه بعد نهيه عن ذلك, والعقوبة لا تكون إلا بسبب تعدٍ, وهذا يوضّح أنّ إذن المريض ضروريّ لإجراء التداوي, فإذا رفض التداوي فله الحق في ذلك, ويكون إجباره على التداوي تعدّيًا FT [1] TF, ولأن إذن ولي المريض غير معتبر مع وجود أهلية المريض للإذن وصلاحية صدوره عنه وإمكانه, ومن ثم فإن حَقّ الإذن في إجراء العمليات الطبية خاصٌّ بالمريض - إذا كان أهلًا لذلك - ولذا فلا اعتبار لإذن أي شخص لم يعتبر الشرع إذنه, فإذا انعدمت أهليّة المريض لصدور الإذن منه, فإن الإذن لا يكون من حقّه, بل يكون من حق الولي عليه, ومنع الطبيب من إجراء العمل الطبي دون إذن لا يمنع الحجر على المريض الذي يخشى انتشار مرضه, فهذا أمر آخر غير العلاج, كما أنه لا ينافي القول بوجوب التداوي في حالة الضرورة, لأن معنى الوجوب أن يأثم التارك.

(1) شرح النووي على صحيح مسلم 4/ 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت