مما استدل به أصحاب المذهب الخامس على حرمة التداوي, ما يلي:
المعقول:
إن نزول الداء بالمرء هو بقضاء الله وقدره، وتمام الولاية لله تعالى هو في الرضا بجميع ما نزل من البلاء، فلا يجوز لمن نزل به ذلك رفعه عنه بالتداوي FT [1] TF.
المناقشة والترجيح:
بعد استعراض مذاهب الفقهاء في هذه المسألة، وما استدل به لها، وما اعترض به على بعض هذه الأدلة، وما أجيب به عن بعض هذه الاعتراضات، فإني أرى رجحان ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول، من استحباب التداوي من الأدواء المختلفة، لما استدلوا به على مذهبهم من السنة والمعقول، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يتداوى مما يصيبه من الأمراض، فحرص على ذلك حتى آخر عمره، كما قالت عائشة رضي الله عنها، وأمر - صلى الله عليه وسلم - بالتداوي من الأدواء، ووصف كثيرًا من الأدوية الناجعة في علاج الأمراض، وقد أفرد ابن القيم لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في التداوي من الأدواء فصولا عدة, من كتابه «زاد المعاد» ، منها: هديه - صلى الله عليه وسلم - في علاج الحمى، واستطلاق البطن والاستسقاء، وعرق النساء, والحكة، وذات الجنب, والصداع، وداء الفؤاد, والسم، والأورام والبثور ونحو ذلك FT [2] TF، كما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأخذ بأسباب الشفاء هو من قدر الله تعالى، فهذا وغيره دليل على استحباب التداوي من الأدواء.
ومن ثم فإن كان العمل الطبي الذي يفتقر إلى الإذن لإجرائه مشروعا كان الإذن فيه مشروعا, باعتباره إذنا فيما هو مشروع, وهو التداوي من المرض, وإن كان العمل غير مشروع كان الإذن فيه غير مشروع كذلك, باعتباره تدخلا في جسم الإنسان بغير ما فيه مصلحته, بل ما فيه إضرار به, وذلك محرم شرعا, لنهي
(1) عمدة القاري 21/ 230، شرح النووي على صحيح مسلم 14/ 191، عون المعبود 10/ 335.
(2) زاد المعاد 3/ 66 - 133.