راحل خلف قومي أغني ... في الدياجي بعهد وثيق
نحوَ دارٍ وراء الثريّا ... قد تجلّت لقلبي المشوقٍ
من خلال هذه القصيدة الطويلة، و التي سجّل فيها الشاعر تاريخ الشعر و الشعراء، و أنا أعتذر للإطالة، يُلخص الشاعر موقفه من الشعر و الشعراء، و يُبيّن أن الشعر ليس ترف القول، ولا كلام منمق، ولا تعابير جميلة، إنما هو رسالة ذات أهداف و مقاصد، و ذات ضوابط يجب أن تُراعى و تُحترم، فكما للشعر قواعد تنظمه في شكله و أغراضه و أساليبه، كذلك من الواجب أن يكون هناك ضوابط تضبط إيقاع هذا الشعر لها علاقة بالقيم و الأعراف و السلوك، لهذا لم نجد شاعرنا يخوض فيما يخوض فيه الشعراء، إنما له عالمه الخاص، بقيمه و معاييره.
وسوف أحاول مع قلة بضاعتي في هذا المجال أن أدرس شعر الرجل وأُفصّل فيه القول قدر الإمكان:
وقد قسمت هذا المبحث إلى ستة مطالب:
المطلب الأول: الغزل.
المطلب الثاني: الفخر.
المطلب الثالث: الرثاء.
المطلب الرابع: الهجاء.
المطلب الخامس: الوصف.
المطلب السادس: الحكمة.
المطلب الأول
الغزل
الغزل في اللغة: حب محادثة النساء واللهو معهن.
وغازل الرجل المرأة: حادثها حديث المغرم بها. وهو حديث غرام بين الفتى والفتاة.
وهو أيضًا ذكر جمال المحبوبة ومحاسنها، ومثله التشبب والنسيب [1] .
الغزل عند أهل الاصطلاح: الاشتهار بمودات النساء والصبوة بهن [2] .
والغزل لغة العاطفة، صوروا فيه أشواقهم، وأحاسيسهم نحو المرأة، وما يلقون منها من وصال أو هجر، من وعد أم خلاف، وذل وغنج، صوروا فيه سعادتهم وشقائهم، آمالهم وآلامهم.
لهذا جعلوه أول موضوع يبتدئون به القصائد الطوال، سواء كانوا يذكرون الغزل مباشرة، أو يذكرون الديار (ديار الحبيبة) لتنقلهم إلى ذكرها والتغزل بها وسرد ذكرياتها.
(1) الهادي إلى لغة العرب: حسن الكرمي، ص 3/ 322.
(2) أنظر؛ التبريزي: شرح ديوان الحماسة، ص 3/ 112.