الصفحة 42 من 90

وقد رأينا ما في هذه التجارب الشعرية من حزن وأسى، وما تنبض به من شوق عارم وحنين جارف إلى الوطن، وما فيها من نعي على كثير من الساسة العرب الذين قصروا في حق أمتهم، وقد برهنت هذه النماذج على أن الشعر يظل من أهم الطرق في التعبير عن خلجات النفوس، وتصوير آمالها و تطلعاتها إلى مستقبل أفضل [1] .

لقد عاش شاعرنا عبد الرحمن بارود مأساة شعبه، بل ربما كان تأثير المأساة عليه أكثر من غيره، وهذا ما لمسناه بوضوح في شعره، صحيح أنه عاش بعيدًا عن الوطن حياة فيها شيء من رغد العيش، ووظيفة مرموقة، وعلاقات عامة على مستوى عالٍ، إلا أن جذوره الأسرية وعلاقاته الطيبة مع أقاربه وأصدقاء طفولته وصباه، والنزعة الدينية القوية عنده، جعلت فلسطين بكل مكوناتها الجغرافية والسياسية والاجتماعية والجهادية حاضرة نصب عينيه، ينام على صورتها وأخبارها، ويصحو على ذكرها والتنذر بأخبارها، أقامت معه في حله وترحاله وصحته ومرضه، لهذا ليس غريبًا أن يكون هذا الشاعر هو شاعر المقاومة، إن بُعْد الشاعر عن الوطن كان بُعدًا جسديًا جسمانيًا، أما الروح و العقل و الفؤاد فلم يغادر فلسطين، و لم نغادره فلسشطين.

أختم هذا المبحث بهذا الجزء من قصيدة"القدس: .."

في أراجوزٍٍ نحن؟ أم أمام ساحر يحرك الحيطان؟

تحركت جنازة الأوطان

من غزة .. إلى ناقورة

حيفا و يافا .. مجدل .. أسدود .. عكا .. عسقلان

لدٌ و رملة

يا حسرتا .. في سلة النسيان

كل الجليل ضاع

لا طبريا .. لا صفد .. لا ناصرة

كل النقب

دارت عليه الدائرة

و ضاع من قاموسنا الجبان

كل البلاد أصبحت

في خبر المرحوم: (كان)

و أين ضفتي؟

ماذا لنا على الخوان؟

أرى رؤوسا ًطافية

مقطعة

تصيح في الطوفان

و أين غزتي؟

يدق رأسها السجان

الماء مالح

و الجوع كاسح

و نصفها يُلف في الأكفان

و أين شعبنا الذي قد كان؟

مشرد في اللا زمان

و اللا مكان

(1) أنظر؛ العمصي: الغربة والحنين في الشعر الفلسطيني بعد المأساة، ص215، بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت