الصفحة 41 من 90

يأبى لنا الهُون من أم القرى نسبٌ ... تبوأ المسجد الأقصى له نُزلًا

وهذا الشاعر عبد الكريم الكرمي يؤكد أن ضياع القدس يعني ضياع كل المدن العربية الأخرى، وتهديدًا لأمنها ووجودها فنراه يقول في قصيدته،"مأساة شعبي" [1] :

لما تركت القدس دامية الخطا ... تمشي على التاريخ بالأصفاد

ألفيت أني سرت في كل مدينة ... عربية حُملت على الأعواد

والشعب في واد يهيم مشردًا ... و الحاكمون وحكمهم في وادي

لم ألق في الساح المبادئ حرة ... ورأيت في الأسواق بيع مبادي

بالليل متشحًا وأية جبهة ... عربية لم تتشح بسواد

أو مَا سمعت من"البراق"نشيجه والمسجد الأقصى الحزين ينادي

ونسمعه يقول [2] :

من فلسطين ريشتي وبياني ... فعلى الخلد والهوى يدرجان

من فلسطين ريشتي ومن الرملة واللد صنعت حمر الأغاني

من شذا برتقال يافا قوافيها ... ومن سهل طولكرم المعاني

أحرفي من قطاع غزة ... والشاطئ تمشي مصبوغة الأردان

ومن الضفة الحزينة لا أنشر ... إلا فوق الدنى أشجاني

هذه نماذج من الشعر الفلسطيني المعاصر الذي استلهم المأساة فأوحت إليه بصور دامية للواقع الأليم الذي رفضته، من تشريد شعب عن أرض آبائه وأجداده وتفرقه مرغمًا في شتى أنحاء المعمورة.

ومما نلاحظه على هذه النماذج أنها لم تلبس ثوب الخيال، ولم تتعد الحقيقة الأليمة التي نلمسها، و التي نعيشها لحظة بلحظة، كل صنوف الآسي و النكبات وقعت على هذا الوطن و على أبنائه، و آخرها هذا الحصار الظالم، الذي يأكل الأخضر و اليابس، و الذي يفرض علينا بأيدي عربية قبل أيدي عدونا الصهيوني، و ليس معنى هذا أنها صورة جامدة للواقع، وإنما مزجت بأحاسيس ومشاعر الشعراء، الذين هزتهم المأساة فتفاعلوا مع تأثيرها وعبّروا عنها، كل حسب قدرته، وموهبته، ومدى تأثره وانفعاله.

(1) عبد الكريم الكرمي: من فلسطين ريشتي - ص77.

(2) المصدر السابق: ص36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت