الصفحة 40 من 90

من قصيدة للشاعر عبد الرحمن بارود بعنوان،"شاطئ الليل" [1] :

على شاطئ الليل حطّ الرحال ... وأعولت الريح بين التلال

وضاع الطريق وأرهقه اليأس ... والسحب الداميات الثقال

على شاطئ الليل حيث الظلام ... وحيث الحقيقة فوق الخيال

أطلت نجوم وغارت نجوم ... وحطت وراحت ليال طوال

وفي خمس عشرة يبلى الجديد ... ويبلى الحديد ويبلى الرجال

ولما يزل حيث حطّ الرحال ... يكابد عادًا ويلقى الوبال

يُرجّع فيه صدى الذكريات ... عميقًا و ينثال أي انثيال

وبيت دراس من القبر تنهض ... في القمح والكرم والبرتقال

على شاطئ الليل ما طاب نوم ... وما ساغ ماء ولا ارتاح بال

فيا شاطئ الليل يومًا سيُبرق ... فجر الحياة البديع الجمال

لهذا لا عجب أن نرى هؤلاء المبعدين المشردين يتوجهون بمشاعرهم وآمالهم وتفكيرهم صوب الوطن السليب، يتذكرون أيامهم الحلوة فيه، والديار الغالية التي عاشوا سعداء فيها، ويتخيلون سهولهم وحدائقهم التي خلفوها وراءهم، فتضطرم نار الشوق بين جوانحهم، ويتسعر الحنين الجارف إلى الوطن الغالي، الحنين إلى المقدسات والأماكن التاريخية، إلى المدن الجميلة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط، يافا وحيفا وغزة وعكا وأسدود وغيرها، وهذا شاعرنا عبد الرحمن بارود يحن ويتذكر، ويُذكر، ففي قصيدته،"خمسون عامًا"يقول [2] :

من نصف قرن نجوب الليل وا خجلًا ... نهيم بين المنافي نحمل الجبلا

تلقي عواصف سيبريا الثلوج على ... رؤوسنا والضواري تقطع السبلا

يا نازح الدار، نحن الراحلون إلى ... بطن الثرى وسواد الليل ما رحلا

ضاقت بأبنائنا الدنيا بما رحُبت ... فهل فلسطين غول تأكل الدولا

يا للطريد الفلسطيني تنهشه الذئاب ... في التيه يجري حائرًا وجلًا

والقدس تصرخ في سوق الرقيق وسلْ ... قيدًا على العظم كم من لحمها أكلا

سَقيًا لحيفا وعز الدين .. يوم غدا ... كل ابن عشر يصلي خلفه بطلًا

(1) الأعمال الكاملة: عبد الرحمن بارود، ص98.

(2) الأعمال الكاملة: عبد الرحمن بارود، ص217.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت