أما شعراء المرحلة التي تلت النكبة، فقد أهاجت النكبة عواطفهم، وشحذت قرائحهم، و حركت فيهم الكثير من كوامن النفس، وكما هو معروف فإن النكبات والحروب كانت وما زالت هي مبعث الشعر عند الأمم بعامة، وهي عند العرب كذلك، وهم الذين دارت أشعارهم على حروبهم في الجاهلية يثيرونها فيما بينهم، وهكذا فيما بعد الإسلام، حروبهم مع المشركين والمرتدين، وحروب الفتح العظيم، وقد لعب الشعر دورًا فعالًا في الإثارة وشحذ الهمم، وشعراء فلسطين قد أجادوا وأبدعوا وبرز منهم عديدون، فنقت المأساة شاعريتهم، وشحذت قرائحهم، وما يحضرني من أسمائهم أقل مما هو موجود:
إبراهيم طوقان، أحمد دحبور، حسن النجمي، حسن خليل حسين، رشيد أيوب، سليمان العيسى، سميح القاسم، عبد الكريم الكرمي، علي هاشم رشيد، فدوى طوقان، عبد الرحمن بارود، كمال ناصر، محمد العدناني، معين بسيسو، هارون هاشم رشيد، يوسف الخطيب و محمود درويش، وغيرهم كثير.
بدأ الشعر أول ما بدأ بعد النكبة مفعمًا بالحسرة واللوعة والبكاء، ثم تطور إلى الشوق والحنين وإلى مراجعة النفس والتأمل، ثم تطور إلى حث الناس على التحدي والثورة والعمل على تحرير الأرض، وقد واكب الثورة المسلحة والانتفاضة يدعمها ويشحذ همم الثائرين، ويؤبن الشهداء، ويعانق الوطن.
لقد كان لهذا الشعر أثر كبير خصوصًا أنه يخاطب العاطفة ويناجي الشعور، و يلامس الجراح التي ما زالت تنزف دمًا حُرًا و حارًّا، أثر هذا الشعر في نفوس أبناء الشعب على جميع طبقاتهم وألوان طيفهم، بل تعداهم إلى ربوع الوطن العربي الكبير، و الأحرار من أبناء المعمورة.
ولقد أجاد في هذا المجال كثيرون، منهم شاعرنا عبد الرحمن بارود ففي قصيدته:"وطني"حيث يقول [1] :
وطن الهدى مني إليك سلام ... يا من بشعبك حلت الأسقام
بيعت بلادي .. مالها من بائعٍ ... غير الغدا أعلى العدو ذمام
(1) الأعمال الكاملة - عبد الرحمن بارود، ص67.