الشعر ليس عملًا سهلًا ساذجًا كما يعتقد كثير من الناس، بل هو عمل معقد غاية التعقيد، هو صناعة تجتمع لها في كل لغة طائفة من المصطلحات والتقاليد، فما يزال النقاد منذ أرسطو طاليس يحاولون أن يصفوها بما يقيمون عليها من مراصد ومقاييس، وقد يكون من الغريب أن نجعل الشعر صناعة ولكنه الواقع، فكلمة شاعر عند اليونان القدماء معناها صانع، ولذلك كنا نراهم يقرنون في أبحاثهم الشعر إلى الصناعات والفنون الجميلة من نحت وتصوير ورقص وموسيقى.
وكلمة شاعر عندنا في اللغة العربية تقترب من معناها في اليونانية، فالشاعر معناها العالم والشعر معناه العلم، والعلم كما هو معروف يدخل في باب الصنائع، وتناثر في أشعار العرب القدماء ما يدل على أنهم كانوا يحسون بأن الشعر ضرب من الصناعات، فقد جعلوه كبرود العصب وكالحلل والمعاطف والديباج، والوشي وأشباه ذلك، فهو في رأيهم يشبه صناعة الثياب، فيه الملون، وغير الملون، فيه الوشي وغير الوشي، بل إننا لنراهم يسمونه صناعة، فقد روى الجاحظ عن عمر بن الخطاب قال:"خير صناعات العرب، أبيات يقدمها الرجل بين يدي حاجته" [1] .
إن المتأمل في شعر الدكتور عبد الرحمن بارود يلمس أول ما يلمس هذه القدرة العظيمة على صناعة القصيدة، ومتانة بنائها، وجزالة ألفاظها، وعذوبة موسيقاها، والقدرة العجيبة على تذليل اللفظة للمعنى والفكرة، محافظًا على الوزن والقافية.
لقد امتلك شاعرنا زمام أمر صناعة الشعر وقوافيه، امتلاكًا حيّر الأدباء والنقّاد ممن قرأ أو سمع له، من أساتذة له أثناء الدراسة الثانوية أو الجامعية. كان شاعرنا منظومة شعرية متفردة ومتميزة، لم يجار شعراء زمانه أغراضهم ولا مناهجهم، ولا مدارسهم كل المجاراة، بل كان هو وحده مدرسة، صاحب منهج مستقل، وأغراض ما عرفها من قبله إلا قلة من الشعراء، إنه شعر المقاومة.
المبحث الأول
(1) أنظر؛ شوقي ضيف: الفن ومذاهبه في الشعر العربي، ص 13.