فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 10

على سنن العرب الأخرى كوصف الشيء بما يقع فيه أو يكون منه، كما في قولهم:"ليلٌ نائم"أي ينام فيه، و"ليل ساهر"أي يسهر فيه ( [66] ) فهم وإن قصدوا ألفاظًا يقع فيها الإغراب والإبهام، إلا أنهم جمعوا في بطون مؤلفاتهم ألفاظًا متداولة معروفة على كل لسان.

يبقى الأمر موضع إشكال، وهو يتطلب تدبرًا واجتهادًا واستنادًا إليهما ننفذ إلى أن العلماء الذين ألفوا في"الغريب"لم يجهلوا معنى الغريب، ولكن هناك ملابسة يمكن على ضوئها تفسير مذهب العلماء في التسمية، وهي:

1 -إن ألفاظ العربية -بعد اجتماع العربية في لغة قريش- لم تحمل الدلالة الواحدة عند القبائل المختلفة. فقد تحمل لفظة معنى في قبيلة، ومعنى مخالف في أخرى، يتوضح معنى الاختلاف- كمثل- من خلال مادة"قرء"قال المبرد: أهل الحجاز يرون"الإقراء"الطهر، وأهل العراق يرونها الحيض، وأهل المدينة يجعلون عِدَد النساء الأطهار ( [67] ) ولهذا اعتور العربية الإغراب والكل، نتيجة اجتماع القبائل. فلفظةٌ تتداول على لسان قوم، تعتبر غريبة لدى قوم آخرين، وقد ألمح ابن فارس إلى ذلك، قال:"كل هذه اللغات مسمّاة منسوبة وهي وإن كان لقوم دون قوم فإنها لما انتشرت تعاورها كَلٌّ. ومن الاختلاف اختلاف التضاد، وذلك قول حِمْيَر للقائم: ثِبْ أي اقعدْ" ( [68] )

2 -إن العرب- في أحيان كثيرة- لا يفهمون كلام بعضهم بعضًا، وبخاصة عندما تتكلم كل قبيلة لغتها الخاصة بها؛ لأن كل لغة تختلف عن غيرها من لغات القبائل بأمور ( [69] ) ... يدعم ذلك ما روي عن الإمام علي بن أبي طالب"كرم الله وجهه"أنه سأل رسول الله"ص"حين كان يخاطب وفد بني نهد، قال: "يا رسول الله نحن بنو أبٍ واحدٍ، ونراك تكلم وفود العرب بما لا نفهم أكثره فقال: أدّبني ربي فأحسن تأديبي، ورُبيتُ في بني سعد. فكان"ص"يخاطب العربَ على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم، كلًا منهم بما يفهمون، ويحادثهم بما يعلمون" ( [70] )

استنادًا إلى هذه الملابسة اللغوية الحاصلة من اجتماع القبائل العربية - وبخاصة بعد الإسلام- أصبحت اللفظة المتداولة في وسط عربي غريبة لدى الآخرين. ومن هنا يبرز سبب استعمال مصطلح"غريب"في أسماء المصنفات فالغرابة نسبية، ولهذا يمكن القول إن حد الغرابة في اللفظة يتغير بتغير القبيلة فما تصدق عليه الغرابة من الألفاظ في قوم وعصر لا تصدق عليه في قوم آخرين وبعد حين.

نخلص من التماس عذر تسمية"الغريب"لنضع توجيهين يفيدان دارس العربية، والباحث فيها، الأول لغوي وهو اتساع مادة"غريب"لتشمل معنى آخر في أحشائها سوّغها لها المؤلفون في الغريب، وهو معنى الشرح والتوضيح اللذين يؤديهما مصطلح"معجم"و"قاموس". والثاني أكاديمي يقتضي أخذ الأمور بشيء من الاحتراز عند التعامل مع مصادر العربية. فما حمل اسم الغريب ليس ضرورة أن يبحث في ألفاظ غريبة في القياس والاستعمال، غير مأنوسة، بل هو أشبه ما يكون بقاموس لغوي. وكذلك الالتفات إلى غيرها من المصادر والتريث في الحكم على مضمونها، لا الانجرار في الحكم عليها حملا على اسمها ... من أمثلة ذلك كتاب الخليل بن أحمد رحمه الله الموسوم"الجمل في النحو"فللوهلة الأولى يُظن أن مباحثه تدور حول مصطلح"الجملة"في العربية، وأنواعها وأقسامها .. وسواها من الأمور التي تفرضها التسمية ولكن الفحوى غير ما دل عليه العنوان، بل هو كتاب- كما صرح به صاحبه-"فيه جملة الإعراب إذ كان جميع النحو في الرفع والنصب"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت